سورة فصّلت
الجزء ١٦ · صفحة ٢٤٢فالتعبير باسم التفضيل، التي هي أحسن، يدلّ على أن الحسنة تتفاوت في قدرها وقيمتها، ولا شذ أن الداعي إلى الله يتعرض إلى الأذى والإساءة من كثير من الناس لمصادمته إياهم في رغباتهم وشهواتهم، وحتى ينجح في دعوته ويكسر حدة المقاومة في تلك النفوس الجموحة والعواطف المتأججة يجب عليه أن يستقصي جهده في مقابلة الإساءة بالإحسان في أرقى نوعيته وأرفع قيمته ليجني ثمرة ذلك من قريب استجابة وتجاوبا من طرف خصومه تصل بهم –أحيانا- إلى درجة المحبة والولاء بعد الخصومة والعداء في أسرع وقت كما تدلّ عليه: (إِذَا): الفجائية.
ولما كان التحلّي بالصبر والحلم في أمثال هذه المواقف من عزم الأمور ومن خصال النفوس العظيمة فإنه تعالى عقب على ذلك التوجيه الرشيد بقوله:
(وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ): فليست النفوس سواء في تحليها بهذا الخلق، إذ هو منحة من الله يهيبها لمن يشاء من عباده كما امتن الله بذلك على رسوله إذ قال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ) (آل عمران:159). وهنا وكذلك هذه الخصلة لا يتقبلها ولا يحتملها إلا الذين صبروا جاء الخبر بصيغة الحصر وتكرر فعل يلقاها بصيغة المضارع لمزيد من الإهتمام بأن هذا النوع من المعاملة لا يكون إلا من الصابرين وممن لهم حظ وافر من الفضائل النفسية الكريمة، والحلم على إذاية الخصم ليس معناه الضعف والتخاذل أمامه، وإنما يكون مع القوة والقدرة على الإنتقام، كما فعل الرسول بأهل مكة عندما دخلها فاتحا وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». وكان ذلك سببا في دخول الناس في دين الله أفواجا، وقال الشاعر الحكيم:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له … بوادر تحمي صفوة أن يكدّرا