سورة فصّلت
الجزء ١٦ · صفحة ٢٤٥(وَمِنَ -ايَاتِهِ): الضمير يعود إلى لفظ الجلالة المذكور في الآية السابقة: (فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ): فعلى أمره تعالى لكل داعية بالإستعاذة به عند مجابهة الباطل ومدافعة وساوس الشيطان، فإن المستعاذ به في الملمات لابدّ أن يكون قويّا قاهرا وصاحب قدرة وسلطان، فإنه تعالى بعد ذكره لخلق العوالم الكبرى التي تدلّ على كمال قدرته انتقل هنا إلى ذكر ما هو أقرب وأشدّ اتصالا بالمخاطبين من تلك الظواهر الكونية الأربعة: الليل والنهار والشمس والقمر لما بينها من التلازم، فظاهرة الليل والنهار على وجه الأرض تتولد عن حركات الأرض والشمس والقمر، وهي من أعظم دلائل القدرة الإلاهية المعروضة للإنظار، لا تحتاج إلى معرفة خاصّة لإدراك نظامهما وانسجامهما، فبينها وبين الكائن البشري خاصّة والكائنات الأرضية عامة صلة الولد بأمّه حبّا وعاطفة وحنانا، والقرآن الكريم يستغلّ تلك العاطفة الفطرية حين يوجّه القلوب والعقول إلى التفكير الواعي والتأمل العميق في تلك الظواهر التي قد يزهدنا فيها الألف والعادة وقد يفتن قوم بجمال الشمس والقمر وبمنافعهما فيعبدونهما من دون الله كما يفعل الصائبة بالعراق وكما فعل اليمنيون من قوم بلقيس والفراعنة في مصر بمعبودهم "راع" الذي يرمز للشمس، وذلك انحراف في العقيدة نهى الله عنه، ولكن النهي انصبّ على السجود خاصّة، وهو يمثل أبلغ الصور للتذلل والخضوع، مما يدلّ أنهم كانوا يعتقدون أنهم يتقربون بذلك إلى الله، أي يجعلون الشمس واسطة بينهم وبين الله كما يعتقد الصائبة، ويدلّ على ذلك قوله تعالى في التعقيب: (إِن كُنتُمُ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ): والمعنى: اسجدوا لله مباشرة إن كنتم حقا تقصدون عبادته لأنه هو خالق الشمس والقمر فهما مثلكم يسجدان لله وحده.
ثم ألتفت الله من ضمير الخطاب إلى الغيبة فقال:
(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ):