نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة فصّلت

الجزء ١٦ · صفحة ٢٤٦

والاستكبار المبالغة في الكبر، وهو الخلق الذميم الذي يدفع المشركين إلى الإعراض والمجادلة في آيات الله، فلا يعترفون بدلائل القدرة فإن ذلك لن يضرّ الله في شيء، فإن له من المخلوقين من هم أرفع مكانة وأغلى شأنا عنده، وهم الملائكة الأطهار لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، بل هم دائمو التسبيح بحمد الله لا يملّون ولا يفترون، فالعندية في قوله: (عِندَ رَبِّكَ): عندية نشريف وتكريم، كما أن اختيار لفظ: "الرب" مضافا إلى كاف الخطاب لرسول الله هو تشريف وتكريم لشخصه الشريف، كما قال تعالى: (إِنَّ الذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (الأعراف: 206).

وفي الأرض آيات للموقنين، الأرض التي يدبّون عليها، ويتنعّمون بأقواتها، ويتصارعون على امتلاك خيراتها، إنها خاشعة لربّها، خاضعة لإرادته، مترقبة لرحمته ليمدّها بأسباب الحياة التي تكتمل بها أولادها، أو ليست هي الأخرى من أدلة قدرة الله وحكمته؟؟ …

(وَمِنَ -ايَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الاَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتِ اِنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ):

الجملة معطوفة على ما سبق: (وَمِنَ -ايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ): والخطاب لكل من يصلح له من السامعين، وقد تكرر هذا الدليل في القرآن على قدرة الله في الإحياء والإماتة غير أن وصف الأرض قد تعدّد بما يناسب السياق الذي ينتظم الآية، فتارة توصف الأرض بالميتة، وتارة بالجرز وتارة بالهامدة، وهنا وصفت: "بالخاشعة" وهو ما يناسب جوّ العبادة والسجود المذكورين في الآية السابقة، وذلك من الدقة البلاغية في القرآن الكريم، وجاء في جواب الشرط: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتِ): -أيضا- ما يناسب حالة العابد الخاشع من الإنفعال والحركة وفيضان القلب واهتزازه وجدا وحبّا لله.

٥٬٠٩٦ / ٦٬٧٦٧