سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٢٧٦(حم، عسق): وهي خمسة حروف من أكثرها عددا مثل ما ورد في سورة مريم: (كَهَيَعَصَ) (1): إلا أن الفرق بينها أن هذه جاءت موصولة بينما في سورة: "الشورى" جاءت منفصلة وتكرّر حرف العين في كليهما، وقد تقدم تعليل الإمام ابن عاشور على ذلك، ولعل فصل حرفي: (حم): عن بقية الحروف الأخرى ليصّح جمعها مع الحواميم الأخرى كما جاء في التعبير النبوي الحواميم ديباج القرآن
(كَذَالِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ): أي مثل هذا الوحي الذي أوحي به إلى سائر الرسل من قبلك، وبتلك الطريقة نفسها يوحي الله إليك، فليس هناك اختلاف في الطريقتين: فالمضمون واحد في أصول العقيدة: من الإيمان بوحدانية الله، والإيمان باليوم الآخر وإثبات النبوءة والرسالة وإن اختلفت في الفروع التي تخضع لظروف الزمان والمكان.
ومصدر الإيحاء واحد وهو الله العزيز الحكيم، القويّ الغالب على أمره والحكيم في تدبير شؤون خلقه يتصرف فيها بحكمة ويضع الأشياء في مواضعها.
ومن شأن تقرير هذه الحقيقة الكبرى من ظاهرة الوحي ومصدره إنها تربط الجماعة المؤمنة بمولاهم وتشعرهم بالعزة والشرف لانتمائهم إلى المنهج السويّ الثابت على مرّ الأجيال والعصور.
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ): ومن صفات الموحى بالرسالات أنه الغني وهو العليّ العظيم، إذ له ملك السماوات والأرض وما فيهما مما نعلمه ومالا نعلمه، تلك السماوات بأبعادها وأطباقها وأجرامها، وهذه الأرض بكل ما تعجّ به من دوابّ وما تحمله من أرزاق وأقوات هي ملك لله وحده يتصرف فيها كيف يشاء إيحاءا وإعداما وزيادة ونقصانا، لا يغرب عن علمه مما فيهما مثقال ذرة، وهو المتعالي وصاحب الكبرياء والعظمة لا تنفد خزائنه فلا يشعر سائله بالذل والهوان، إذ هو الواحد المتفرد بالملك والسلطان.