سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٢٨٣والإنذار هو التخويف من شرّ متوقع. و (أُمَّ الْقُرَى): هي مكة المكرمة، كنيت بذلك لما تمتاز به من العراقة التاريخية عند العرب، ولإحتضانها أول بيت وضع للناس لعبادة الله وليكون مثابة للناس وأمنا ولأن الأم يطلقه العرب على أصل الشيء، فقد ذكر العلماء الباحثون في تحديد أطوار الأرض، ذكروا أن منطقة مكة المكرمة هي أولى المناطق التي بردت من قشرة الأرض وتشكلت جبالها ووديانها، والله أعلم بتلك الأطوار وقوله: (وَمَنْ حَوْلَهَا): وهو يعني سائر القرى الأخرى مهما اتسعت دائرة العمران، ولا يقتضي ذلك اقتصار دعوة الرسول على قومه العرب كما يدّعيه أعداء الإسلام لأن الرسول بعثه الله إلى الناس كافة، ولابدّ لأية دعوة من منطلق تنطلق منه ثم تنزاح دائرتها شيئا فشيئا، وهذا على معنى قوله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (الشعراء:214). فلا يقتضي ذلك أن لا ينذر الأبعدين على أن قوله تعالى: (وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ): بدل على العموم لأن التقدير وتنذر الناس يوم الجمع، لأن فعل الإنذار ينصب مفعولين، فبين الجملتين تكامل، فالأولى لبيان المنذرين -بفتح الذال- والثانية لبيان المنذر منه، وهذا من بديع الإيجاز في القرآن ويم الجمع هو يوم الحشر لفصل القضاء بين الخلائق لقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَالِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) (التغابن:09). ولا ريب فيه جملة معترضة، أي هو ءات لاشك في ذلك، وفي استئناف بيانيّ بديع قال تعالى: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ): فهو بيان لسؤال يثيره السامع في شأن ذلك الجمع، فجاء الجواب بأن الخلائق بعد الحساب تكون على فريقين، فريق مؤمن بالله ورسوله موف بواجباته الدينية يكون جزاؤه الجنة، وفريق آخر كافر اتخذ لله شريكا وكذب بالرسالة وحادّ الله ورسوله فهو في نار جهنم خالدا فيها مغضوبا عليه.