سورة الشورى
الجزء ١٦ · صفحة ٣٥٠والروح في الأصل ما تكون به الحياة في الإنسان ويتمّ بأمر الله التكوينيّ وهو مجهول الماهية كما تقدّم في سورة الإسراء: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (85). وأطلق هنا مجازا على الدين عقيدة وشريعة، إذ تكون به حياة النفوس الميّتة لتحي ابها الحياة الأبدية السعيدة فهي نظير الروح التي تحي ابها الأجسام الحياة الدنيوية الأولى، وقد قال تعالى في المعنى المجازي للروح: (أَوَمَن كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) (الأنعام:122). وهنا يضفي الله على تلك الروح أنواعا من التعظيم.
فقال: (مِّنَ اَمْرِنَا): فهو مثل قوله في الروح الحقيقي: (قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي) (الإسراء:85). أي كما استأثر الله بعلم تلك الروح فقد استأثر -أيضا- بالروح المعنوية من حقائق الدين التي جاء القرآن بيانا لها وتفصيلا لكل شيء.
(مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الاِيمَانُ): الجملة في موضع الحال، والخطاب لرسول الله بمعنى أفضنا عليك من بركات الوحي الذي أنزلناه عليك في حال كنت فيه لا تعلم الكتاب ولا الإيمان أي عدم قراءته لكتاب من قبل إذ كان أمّيا، وبالتالي ما كان رسول الله يصدر عنه شيء مما يتعلق بعلوم القرآن قبل أن يبعثه رسولا، ولا صدر عنه شيء يتعلق بقضايا الإيمان وجزئياته التفصيلية كما بينها الوحي المنزل من عند الله، وليس معنى انتقاء الإيمان عن الرسول قبل الرسالة أنه كان مشركا -حاشاه- أو كان يسجد لنعم إذ عصمه الله منذ نعومة أظفاره فحفظه من أوضار الجاهلية وحبّب إليه العزلة عند ما قارب الأربعين ليتهيأ بذلك للاتصال بالملإ الأعلى.