نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزخرف

الجزء ١٦ · صفحة ٣٥٦

(وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ): الواو للقسم، والكتاب المبين هو القرآن المجيد أقسم الله به لعلوّ شأنه ورفعة قدره، فالله العظيم بقسم بما عظمه من كلامه لما فيه من الهداية والنور لخلقه، ولله أن يقسم بما شاء لتأكيد المعنى في نفوس المخاطبين، ووصف القرآن بأنه كتاب مبين، ففي الوصف: "كتاب" إيحاء للمؤمنين بأن يدوّنوه كتابيّا على مرّ الأجيال حتى لا يتطرق إليه التحريف والتبديل أو التلف والضياع، وكان الرسول قد اتخذ كتابا للوحي في وقت التنزيل كما قام الخلفاء الراشدون بجمعه وتدوينه ثم توزيع المصحف الأم على الأمصار الإسلامية المفتوحة كما هو معروف من التاريخ وأما وصف: (الْمُبِينِ): فلكونه واضحا جليا في معانيه وموضّحا لمقاصد الدين وأحكام التنزيل.

(إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): وإنه في أمّ الكتاب لدينا لعليّ حكيم، هذا هو لمقسم عليه من طرف الله تعالى، وهو يتضمّن خصائص أخرى ممّيزة للقرآن تحدث الله عنها بنون العظمة وبيّن أنه جعله قرآنا عربيّا، الضمير في: (جَعَلْنَاهُ): يرجع إلى الكتاب، فهو زيادة على أنه مكتوب، فهو مقروء أي ميسّر بأن يقرأ على ألسنة المؤمنين يحمله الحفاظ في صدورهم، فتهيأت للقرآن -بفضل الله- الكتابة والقراءة مبالغة في صونه وحفظه كما وعد الله بذلك في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).

(عَرَبِيًّا): أي أنزلناه بلسان عربيّ، وذلك لما تمتاز به اللغة العربية من فصاحة وبيان، فأنزله بين أهل تلك اللغة ومن فرسانها فصاحة وبلاغة كما اصطفى رسوله منهم، وذلك من فضل الله عليهم ورفعا لذكرهم، وفي زيادة هذا الوصف للقرآن تعريض بالمنزل عليهم ممن أعرضوا وكذبوا به ولذلك جاء التذييل بقوله: (لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ): والعقل هو الفهم الدقيق للأشياء، ولعل هنا بمعنى: "كي" إذ لا يناسب معنى الترجيّ بعلم الله الشامل.

٥٬٢٠٦ / ٦٬٧٦٧