سورة الزخرف
الجزء ١٦ · صفحة ٣٥٧(وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ): "أم الشيء" هو أصله، والمراد بأم الكتاب، علم الله الأزليّ كما هو مثبت في اللوح المحفوظ، وهو الحق الذي لا يقبل التغيير، و (لَدَيْنَا): بمعنى: عندنا، و (عَلِيٌّ حَكِيمٌ): خبر: "لإن" ووصف القرآن بالعلوّ ظاهر، و (حَكِيمٌ): بما يحويه من إرشاد وإصلاح لأحوال الناس أو هو محكم النظم لا لبس فيه ولا تناقض.
(أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا اِن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ): الفاء للتفريع على الآية السابقة، والإستفهام إنكاريّ يقال: ضرب عنه صفحا، بمعنى أعرض عنه بصفحة وجهه إذ كان المشركون يكرهون سماع القرآن لأنه يسحر ألبابهم ويقول بعضهم لبعض: (لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصّلت:26). وقد أسرفوا في ذلك لغو أو سفاهة فجاء هذا الإستفهام الإنكاريّ ويعني أن يقول هل تظنون أننا تترك تذكيركم بالقرآن لأنكم كرهتم سماعه، وأسرفتم في إنكاركم له كلاّ … فإن رحمة الله اقتضت أن لا نترك دعوتكم إلى الخير مهما أسرفتم في مواقفكم، فإن في سماع كلام الله ما يليّن القلوب، ويتألف الشرود، فلا يجوز للدعاة إلى الله أن يكفوا عن الدعوة مهما كان موقف الناس منهم، وبعد ذلك التنويه بشأن القرآن تأتي التسلية لقلب رسول الله وهو يواجه ذلك الصدود من قومه.
(وَكَمَ اَرْسَلْنَا مِن نَّبِيءٍ فِي الاَوَّلِينَ* وَمَا يَاتِيهِم مِّن نَّبِيءٍ اِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون* فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الاَوَّلِينَ): (كَمَ): خبرية تفيد الكثرة، لفت الله أنظار المخاطبين إلى من كان قبلهم من المكذبين المستهزئين برسل الله كيف كانت مصائرهم بعذاب ألاستئصال فما أنت يا رسول الله ببدع من الرسل في إعراض قومك عنك. وما هم بأشدّ بطشا ممن سبقهم، وقد أهلكناهم كما جاء في قصصهم للتذكير والاعتبار.