نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزخرف

الجزء ١٦ · صفحة ٣٦٧

بعد بيان إقرار المشركين بالخالقية لله تعجّب الله منهم بتناقض آرائهم ومعتقداتهم بأن الملائكة بناته الله -حاشاه- في حين أنهم يكرهون لأنفسهم البنات فجاء الرّدّ الإلاهيّ على هذه الشبهة بما يقتضيه ذلك من نقص ينافي كمال الألوهية، وأن المشركين لا يستندون إلى دليل عقلي صحيح في ما يلقنونه من تلك العقائد، بل هم مقلدون لآبائهم وأجدادهم، وذلك شأن من سبقهم من الأمم التي كفرت برسل الله، فانتقم الله منهم وأهلكهم، قال تعالى:

(وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا اِنَّ الاِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ):

الضمير في: (جَعَلُوا): يعود للمشركين بالله الذين أقروا بالخالقية لله تعالى في الآية المعطوف عليها. (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ) (9): ولكنهم متناقضون في رأيهم إذ جعلوا لله جزءا من خلقه إذ قالوا: الملائكة بنات الله من سروت الجن تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا وقد عالجت كثير من آيات القرآن هذه القضية بأسلوب الإنكار والتوبيخ، وأقربها في المعنى إلى ما ورد في هذا النصّ آية سورة النحل في قوله تعالى: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ* وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالاُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ اَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ) (57 - 59).

(اِنَّ الاِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ): التذييل بصفة الكفر الواضح للإنسان من أمثال هؤلاء الكفرة يدلّ على الاستنكار الشديد لكفر نعمة الله، والإستخفاف بملائكة وكذلك أخذ الله يردّ عليهم في سخرية وتهكّم:

(أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ* وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ):

٥٬٢١٧ / ٦٬٧٦٧