نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة النّجم

الجزء ١٨ · صفحة ٢٦٤

إن هذه الآية شديدة الارتباط بما سبقها، فبعد أن أمر الله رسوله بالإعراض عن المشركين والتحقير من شأنهم وجاء التعليل بعده بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ)، رتّب على ذلك بأنه هو الذي سيجازيهم بما يستحقون. وفي هذا الإخبار إثبات لوقوع البعث ومهّد لذلك بتقرير ملكية الله لما في السماوات وما في الأرض، وذلك لبيان قدرته تعالى لتحقيق ما قدّره لخلقه من الحياة الباقية الأبدية بعد محاسبتهم على ما اختاروه في الحياة الدنيا فيجازي المسيء على إساءته ويجازي المحسن بأفضل مما عمل، كما يدلّ عليه وصف: (الْحُسْنَى) الذي هو مؤنث "أحسن"، والباء في كلا الجزاءين للتعدية.

ثم حدّد الله صفات المحسنين فقال: (الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ)، فالكبائر هي كل ذنب توعّد الله عليه، والفواحش عطف خاصّ على العامّ وهي ما اشتدّ قبحه عقلا وشرعا كالزنا.

و (اللَّمَمَ): صغار الذنوب ومحقرات الأعمال، والاستثناء منقطع، وقد اختلف المفسّرون في تحديد اللّمم، يقول القطب عنها: "وظاهر القرآن والأحاديث والأخبار ما ذكر لا كما قيل كل ذنب كبيرة، وإن الصغر والكبر بالنسبة، ولنا أن نقول مع ذلك إجلالا له تعالى، ليس في ما يعصى الله به صغيرة"، وقال: "وليست الكبائر محصورة في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع، بل تعرف بالقلب السليم، وكم كبيرة لا توجب الحدّ ولم يذكر فيها لعن ولا وعيد، وكيف يحصر ما لا مطمع في ضبطه. قال ابن عباس لما قال: سبع. هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع. لكن لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار".(1)

(1) 1 - تيسير التفسير: جزء 14 صفحة: 152 - 153.

٥٬٦٦١ / ٦٬٧٦٧