سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٢٩٢فكأن هذا الإخبار ناشئ عن شعور كان يعاني منه رسول الله بتكذيبه من طرف قومه فقيل له تسلية وتخفيفا من ذلك الشعور: إن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح، كذبت بدعوة الرسالات كلها، مما أدّى بهم إلى تكذيب رسولهم نوح عليه السلام وإذايته ببهتان إذ اتهموه بالجنون وزجروه وتوعدّوه بالرجم قائلين: (لَئِن لَّمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (الشّعراء:116).
وقد شرّفه الله وكرّمه بالعبودية له فقال: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا)، إذ كان النموذج الأعلى لما يجب أن يكون عليه الخلق من العبودية والطاعة لله، وقد استنفد كل ما لديه من طاقة وجهد في دعوة قومه إلى الله. ولم يدع وسيلة من وسائل التبليغ والإقناع إلا استعملها معهم، ولكنّهم لم يزدادوا إلاّ نفورا واستكبارا، وعندئذ التجأ إلى ربّه وفوّض الأمر إليه ليتنصر لدعوته فقال: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ)، بعد أن أعيته الحيل لم يجد نوح ملاذا إلاّ إلى ربّه يقرّ له بمغلوبيته وضعف قوّته ويكل الأمر إليه في نصرة دينه بالانتقام من أولئك الطّغاة من قومه.
فكانت الإجابة الفورية لتلك الدعوة طوفانا ينبثق من الأرض وينزل من السماء: (فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الاَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ).