سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٢٩٣إنها الاستجابة الرّبانية الفورية لدعوة المستنصر المظلوم، وقد توجهت قدرة الله إلى القوة الهائلة في الكون، قوّة الماء المنهمر الجارف في حركة هائلة تنزل من السماء مياها منهمرة في هيئة تمثيلية بجموع حاشدة خرجت من أبواب الدار، وبتفجّر الأرض كلها عيونا ثرّة، فالتقى ماء السماء بماء الأرض على الكيفية التي قدّرها الله أن تكون عليه كما سبق في علمه لإهلاك هؤلاء الطغاة، أي أن ذلك قد تمّ بتدبير محكم من الله، وليس هو مجرّد ظاهرة طبيعية عادية، ولذا أكّد الفعل: (قُدِرَ) بـ (قَدْ)، وقد غمر الطوفان كل مجالاتهم الحيوية فلا منجى لهم من الغرق، وكان الله قد أمر نوحا من قبل بإعداد السفينة. وقد طوى النصّ تلك التفاصيل التي ذكرها في سورة "هود"، وكانت تلك السفينة وسيلة لإنجاء نوح والمؤمنين معه برحمة من الله.
(وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَآءً لِمَن كَانَ كُفِرَ): اقتصر النصّ على وصف السفينة بأنها ذات ألواح ودسر في إيجاز بديع، والأخشاب والمسامير هما المادة الأساسية في صناعة السفن منذ ذلك الزمن العريق في القدم لتصبح سفينة نوج النموذج الأمثل لتلك الصناعة التي سخّر بها للإنسان الانتفاع بالبحر ارتزاقا وأسفارا على لجته.
(تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا): فرعاية الله وحفظه هما الائتمان البحري الذي حقّق الله به النّجاة لنوح حتى رست سفينته على برّ الأمان، بينما هلك المشركون ونالوا جزاءهم على كفرهم به وجحودهم لنعمته رسالته.
ونستفيد من قوله تعالى: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) أنّ اتخاذ الأسباب اللازمة لتحقيق غرض ما لا بد فيه من استصحاب رعاية الله وتوفيقه لضمان نجاح ذلك المسعى لأنه تعالى المهمين على الأسباب والمسببات وقد حفظ الله هيكل السفينة لأجيال طويلة حتى تبقى عبرة لهم فقال: (وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِي).