سورة القمر
الجزء ١٨ · صفحة ٣١٥ولبيان حكمة الله في تقدير كل ذلك في إيجاد خلقه ووضعهم على محك الاختبار في الحياة الدنيا ثم مجازاتهم في دار القرار بعد إقامة الحجة عليهم ببعث الرسل وإنزال الرسالات وإرسال النذر وما حول ذلك من تدبير شؤون الكون وأحوال الخلائق، فلا يتمّ ذلك كله إلا بقدر معلوم عند الله مثبت عنده في علمه الأزلّي قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحِم بِالْبَصَرِ).
إنه التعقيب المناسب لكل ما تقدم خلال السورة من الأخبار التي لم تحفظها ذاكرة التاريخ من أحوال الأمم الخوالي العريقة في القدم أو تلك التي تتصل بالغيبيات من أحوال الساعة وأهوالها، فلا شيء من ذلك يحدث بالصدفة كما يعتقده الملحدون، وقد جاء التعبير مؤكدا بـ"إن"، وجاء بصيغة نون العظمة الدالة على كمال الربوبية في الخلق والتقدير لكلّ شيء بتحديد حقيقته وصفاته وحجمه وزمانه ومكانه، وعلاقته بغيره من الأشياء وكيف يتناسق معه ويؤثر فيه، ونحن البشر بما لنا من الإدراك العقلي ومن الإحساس القلبيّ نتجاوب مع هذا الوجود المّوار، ونحاول أن نعرف ما وراء ظواهره ومظاهره من الأسرار، ونجد في مثل هذه النصوص القرآنية ما يفتح شهيتنا لمحاولة استكشاف الحقائق، فنصل إلى ما قدّر الله أن نصل إليه بعد البحث والمعاناة وتظافر جهود العلماء جيلا بعد جيل والله تعالى يقول: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ) (البقرة: 255). ويقول: (سَنُرِيهِمُ ءَايَاتِنَا فِي الاَفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53). ومهما بلغت الحضارة البشرية من تحقيق ما يشاء الله أن تعرف وتبلغه فإنه سيبقى من علم الله وأسراره في ملكوته ما هو أكبر وأعظم مما لا تدركه إلا بالإلهام الفطريّ والتجاوب الإيماني مع روح الوجود.