نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٣٩

ويعترض قوله تعالى: (فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، المكرر بين آية وأخرى، وهنا يعترض بين الشرط والجواب تكرارا للتقريع والتوبيخ ثم تكتمل الآية بجواب الشرط في قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ)، أي يوم تنشق السماء، وانشقاقها من أحوال الحشر التي تكون فيها مواقف شتى ذكرها الله في غير هذه الآية. وقد خرج الناس من قبورهم كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي، فيستغنى عن السؤال عن صنف المجرمين منهم، لأنهم موسومون بعلامات يعرفون بها وسط ذلك الحشد المهول كما قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران: 106). ولكنهم عندما يأذن الله ببدء الحساب على الأعمال سوف يسألون ويحاسبون وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وجملة: (فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، تكرير للتوبيخ والتقريع.

ثم بيّن الله سبب عدم السؤال عند خروجهم من القبور فقال: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُوخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالاَقْدَامِ، فَبِأَيِّ ءَالآَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، وكما قال الشاعر: "كاد المريب بأن يقول خذوني"، فإنّ ملائكة العذاب لا تجد عنتا في معرفة المجرمين فهم ظاهرون للعيان بعلاماتهم سوادا في الوجوه ووشاحا من كآبة وحزن فيؤخذون بعنف وهوان جميعا بين النواصي والأقدام ليقذفوا في سعير النيران، إنه مشهد مهول ترتعد الفرائص لسماعه فكيف بمن يقع فيه، وهو الوعيد الذي أنذر منه الله عباده حتى لكأنه حاضر مشاهد، فكيف بالتكذيب والنكران.

٥٬٧٣٦ / ٦٬٧٦٧