نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الرّحمن

الجزء ١٨ · صفحة ٣٤٧

(وَمِن دُونِهِمَا): عطف على الجنتين السابقتين أي ومن تينك الجنتين المذكورتين جنتان هما دونهما في الفضل وفي الدرجة وإن كانتا لمن خاف مقام ربّه كذلك، ولكنهم لم يبلغوا درجة الإحسان ووصفهم الله تعالى بأصحاب اليمين في أول سورة الواقعة وفي ختامها فقال: (فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ اَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنَ اَصْحَابِ الْيَمِينِ) (88 - 91). ويقال في نوعي الجنتين هنا ما قيل في سابقتهما من الاحتمالات المختلفة للمفسّرين، غير أن ما وصفتا به هنا يبدو أقلّ حسنا وجمالا وإمتاعا مما تقدم فقوله تعالى: (مُدْهَآمَّتَانِ)، وصف مشتق من الدهمة وهي السواد مبالغة في شدة خضرتهما بقوّة التفاف الأغصان وتراكم الأوراق فبأيّ نعم الله هذه تكذبان أيها الإنس والجن وأنتما تشاهدان مثل ذلك على الأرض مثل ما وصف ذلك الشاعر بقوله:

يا صاحبيّ تقصّيا نظريكما … تريا وجوه الأرض كيف تصوّر

تريا نهارا مشمسا قد شابه … زهر الربى فكأنما هو مقمر

(فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ): أي على شكل فوّارتين بالماء والنضخ هو أقوى من النضح -بالحاء- لأن الماء يندفع بقوة ولكن دون الجريان في العينين السابقين، إذ الماء في النضاختين لا يتعدّى الحوض الذي حولهما كما يلاحظ ذلك في قصور الأثرياء، وقد وصف أمير الشعراء فوارة الماء في قصر الحمراء بالأندلس والماء ينضخ من أفواه الأسود فقال:

مرء ترى مجلس السباع خلاء … مقفر القاع من ظباء وخنس

مرمر قامت الأسود عليه … كلّة الظفر لينات المحبسّ

تنشر الماء في الحياض جسانا … يتنزى على ترائب هلس

٥٬٧٤٤ / ٦٬٧٦٧