سورة الواقعة
الجزء ١٨ · صفحة ٣٨١وجاءت صيغة القسم على هذا النّحو: (لآَ أُقْسِمُ) ووردت نظائره كثيرا في القرآن: (لآَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): (فَلآَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) (الإنشقاق:16) … الخ. وقد تعددت تخريجات اللغويين لتلك الصيغ لخّص الدكتور وهبة الزحيلي بعضها بقوله: "وجاء القسم على هذا النحو: (فَلآَ أُقْسِمُ) بالنفي مريدا: (أُقْسِمُ) لأن العرب تزيد: (لا) قبل فعل: (أُقْسِمُ) كأنه ينفي ما سرى المقسم عليه فيفيد التأكيد، والمراد أن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ما فضلا عن هذا القسم العظيم. وبعد أن ذكر أمثلة لمثل تلك الأقسام في القرآن قال: ويرى بعض المفسّرين أن (لا) ليست زائدة لا معنى لها بل يؤتى بها أول المعنى إذا كان مقسما به على منفي كقول عائشة رضي الله عنها: لا والله ما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ".(1)
قلت: ويعجبني ما نقله الإمام ابن عاشور عن سعيد بن جبير وبعض المفسّرين: أنهم جعلوا (لا) حرفا مستقلا عن فعل: (أُقْسِمُ) واقعا جوابا لكلام مقدّر يدلّ عليه بعده من قوله: (اِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ). ردّا على أقوالهم في القرآن أنه شعر وسحر وأساطير الأولين أو قول كاهن، وجعلوا قوله: (أُقْسِمُ) استئنافا"(2).
(وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ): نظرا لعظمة المقسم به، أي مواقع النجوم، فقد أكّد الله عظمته بـ"إن"، واللام، وفصل بين اسم "إن" وخبرها بجملة اعتراضية: (لَوْ تَعْلَمُونَ)، هكذا بـ"لو" الامتناعية التي تقتضي أن المخاطبين يومئذ لا يعرفون عن مواقع تلك النجوم إلا القليل؛ ومهما تقدمت العلوم الكونية اليوم وعرف العلماء الكثير عن أبعادها ومساراتها فسيبقى هذا القسم الإلهيّ له دلالته العظيمة على قدرة الخالق وعظمته والمقسم عليه هو قوله تعالى: