سورة الحديد
الجزء ١٨ · صفحة ٤٢٤ج) - البيان والتّفسير:
بعد البيان الإجمالي لإرسال الله الرّسل بالبيّنات والمعجزات وتقرير وحدة الشّرائع في جوهرها وأصولها عاد إلى تقرير وحدة الرّسالة والنّبوءة في سلالة نوح وإبراهيم، وهما أسلاف لكل من اليهود والعرب الضّالين عن ملة أسلافهم. فبين الله ما حباهم به من النّبوءة والكتاب رحمة منه وفضلا يؤتيهما من يشاء من عباده لا يختص بذلك قوما على قوم، وبالتّالي لا مجال للتفاخر والتّعاظم بين ملّة وأخرى؛ لأنه تعالى يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة من أمرهم.
قال تعالى: (وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوءَةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ): نوح عليه السلام هو أبو البشر الثّاني إذ أغرق الله كل فرع من ذرية آدم بالطّوفان، ولم يبق على ظهر السّفينة إلا أبناء نوح ممن آمن به، تفرعت منهم فروع البشر قاطبة، وكان منهم إبراهيم وذريته، وهو أبو الأنبياء على اعتبار عصر النّبوءة والكتاب في ذريته من بني إسرائيل ومن العرب، واقتضت حكمة الله أن تتوحد الرّسالة في هذه السّلالة منذ فجر التّاريخ إلى خاتمة الرّسالات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت سنة الله مع الأنبياء جميعا أن يفترق الأتباع بعد معرفتهم للحقّ وقيام الحجة عليهم، فيبقى على نهج الهداية الرّبانية فريق قليل، بينما ينحرف الكثير عن نهج الله ويعرضون عن طاعته.
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَاهُ الاِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمُ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَئَاتَيْنَا الذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمُ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ):