نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة المجادلة

الجزء ١٨ · صفحة ٤٣٢

ثم أكّد الله على بيان حقيقة الأمومة بأنها ثابتة بحكم الشّرع لا تبطل بالقول كما قرر ذلك في سورة الأحزاب إذ قال تعالى: (ذَالِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ) (4). وهو قول باطل قائم على غير أصل، فالزّوجة ليست أمّا تحرم على ولدها، والأم هي التي ولدت، فالظّهار -إذن- كلمة منكرة يدحضها الحق ويبطلها الواقع، وقبل أن يشرع الحكم للخروج من ورطة الظّهار ذيّل بيانه التّوبيخي بقوله تعالى: (وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)، على طريقة أسلوب القرآن في مزج الأحكام والإرشادات بعناصر التّأثير والإيحاء والتّربية، فالعفو والمغفرة لهذا المنكر هما الدّواء الشّافي لمثل تلك العلل الاجتماعية التي جاء الإسلام ليقتلع جذورها حتى تستقرّ الأسرة المسلمة على أسس المودة والرّحمة.

وبعد ذلك يجيء الحكم التّشريعي في الموضوع فقال تعالى: (وَالذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَّتَمَآسَّا ذَالِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

مهّد الله لهذا الحكم بالآية السّابقة في بيان حقيقة الظّهار واستفظاع حدوثه فعطف ذلك هذه الجملة التي تحدّد الكفارة التي تجعل المظاهر في حلّ من أمره مع زوجته، وقوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، وقد تعددت أقوال الفقهاء فيه، والقول الأنسب للموضوع هو أنّهم يريدون نقض ما قالوه والعودة لما كانوا عليه من إرادة الجماع، فعليه أن يكفّر قبل أن يمسّ زوجه مسّ استمتاع، وهو كناية عن الجماع والكفارة تكون كالتالي بالترتيب:

بعتق رقبة: أي تحرير عبد أو أمة لنيل حريتهما في سبيل الله، وقد أطلق الرّقبة فيجزي عتق أية رقبة مؤمنة أو كافرة. إلاّ أنّ بعض العلماء حمل المطلق هنا على المقيّد في كفارة قتل الخطأ فاشترط الإيمان، وللموضوع تفريعات وتفاصيل تطلب من مظانها في تفسير الأحكام.

٥٬٨٢٩ / ٦٬٧٦٧