سورة الممتحنة
الجزء ١٨ · صفحة ٤٩٣كل ما يملكونه من أنواع الأذى بألسنتهم وأيديهم حتى ينتهوا بهم إلى أقدح الظّلم وهو الكفر والشّرك حين يظفرون بهم وذلك هو أقصى ما يتمنون فكيف توالونهم وهم لا يريدون لكم خيرا، ولا أبلغ من هذا الأسلوب في استنفار القلوب وتهييجها حتى نأخذ حرزها من كيد أعدائها ثم يذكرهم برابطة الدّين والإيمان لتكون أوثق رابطة فتقول: (لَن تَنفَعَكُمُ أَرْحَامُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُفْصَلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ): وجريا مع أحداث قصة حاطب بن أبي بلتعة إذ فعل ما فعل طلبا لقرابة أرحام تحمي أمواله وأسرته، واستعجالا لمنفعة دنيوية فإنه تعالى بدأ بذكر الأرحام وعطف عليه الأولاد لكونهم مدعاة للفتنة وللضعف البشري، فإذا كان في ذلك نفع دنيويّ فإن المؤمن تهون عنده تلك المنافع وهو يستشرف ما عند الله من تعيم الآخرة، فهو يتخذ من الدّنيا مطيّة للآخرة ويقدم لذلك الزاد المطلوب من الإيمان والتّقوى لأن غير ذلك من وشائج القربى ومحبة الأولاد لا يجدي نفعا يوم يفرق الله بينكم وبينهم للفصل العدل، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنَ اَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: 34 - 37).
قلت: إن في قصة بلتعة والمرأة التي انتدبها لنقل الرّسالة ما يمثل مهمة الجوسسة اليوم، فما هو الحكم الشّرعي في الجاسوس إذا قبض عليه؟؟ …
يقول الدّكتور الزّحيليّ: "اختلف العلماء في قتل الجاسوس فقال مالك والأوزاعي في شأن المعاهد والذّميّ، يجوز قتله، لأنه يصير ناقضا للعهد، وقال الجمهور: "لا ينتقض عهده المعاهد بذلك، أما الذميّ فرأي الحنابلة، أنه ينتقض عهده وذهب الشّافعية أنه لا ينتقض عهد الذّميّ بالتّجسّس إلا إذا شرط عليه انتقاض عهد بذلك، وأما الجاسوس المسلم فقال كبار المالكية إنه يقتل، وقال الجمهور: لا يقتل بل يعزره الإمام عما يراه". -انتهى- (1).
-والله أعلم-
التّأسّي بإبراهيم وبيان علاقة المسلمين بغيرهم.
أ) - النصّ:
(قَدْ كَانَتْ لَكُمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمُ إِنَّا بُرَءَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَآءُ اَبَدًا حَتَّىا تُومِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (4) (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (5) (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَمَنْ يَّتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (6) (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (7) (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8) (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىآ إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (9)
ب) - التّحقيق اللّغوي: