سورة الممتحنة
الجزء ١٨ · صفحة ٤٩٦(إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ): ولهذا الإستثناؤ موقعه في نفي توهّم استغفار إبراهيم لأبيه وهو مشرك، لأن بعض المسلمين كان يجد فيه منفذا للتعبير عن عاطفتهم نحو ذوي قرباهم من المشركين يستغفرون لهم بعد موتهم، فبيّن الله تعالى أن إبراهيم لم يقم بذلك لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، ولكنه عندما استيقن بأنه مصرّ على الشّرك تبرّأ منه مع سائر قومه، وقد أنزل الله قوله في هذا الشّأن: (مَا كَانَ لِلنَّبِيءِ وَالذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَّسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَىا مِنم بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التّوبة: 113).
(وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ): إنه التّخلّي عن واجب النّبوّة نحو أب مشرك والتّسليم المطلق لله وهو يلهج بهذا الدّعاء.
(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ):
وحتى القدوة الحسنة مثلى هذه الابتهالات من إبراهيم وهو يناجي ربّه ويعلن تمام خضوعه واستسلامه المطلق لإرادة ربّه معتمدا عليه في جميع الأمور عائدا إليه في الدّار الآخرة، ثمّ هو لا يأمن فتنة الذين كفروا إذ يعتبرون تسلطهم على المؤمنين دليلا على أنهم على الباطل، إذ لو كانوا على حق لما تمكنوا مهم، وتلك شبهة يروّجها أهل الباطل حين يظهرون ويتطاولون، ولا ملجأ في ذلك إلا إلى الله، فإن إخلاص الدّعاء يعين على الصّبر عند البلاء، وفي ختام إبتهالات يطلب المغفرة والعفو في ما قصّر فيه نحو ربّه فهو القوّي الذي لا يغلب وهو الحكيم في تدبير شؤون خلقه.
وفي إيراد هذا الدّعاء ضمن قصة إبراهيم تربية عملية للمسلمين أن يردّدوا ذلك الدّعاء تأسّيا بإبراهيم في طلب مرضاة الله، وقد كرّر الحث على التّأسّي به فقال:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمُ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَمَنْ يَّتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ):
تكرر التّأكيد بلام القسم وقد، وجاء قوله: (لِّمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ): بدلا من ضمير المخاطب في ما سبق: (لَكُمْ): فالذي يرجو الله واليوم الآخر هو الذي يتأسّى بعباد الله الصّالحين وينتفع من تجربتهم صلاحا ونفعا وسعادة في الدّنيا والآخرة، ولكن من جاء عن الطّريق، وانسلخ عن ماضيه المجيد فإنه لا يضرّ إلا نفسه، لأن الله غنيّ عن عباده حميد في كل تصرفاته، وزيد هنا ضمير الفصل: (هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ): لتوكيد الحصر الذي أفاده تعريف الجزأين.