سورة الممتحنة
الجزء ١٨ · صفحة ٤٩٧(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَّجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ):
إنه الرّجاء المرتقب الذي يحنّ إليه كثير من المؤمنين إن يجعل الله قطيعتهم لقرابتهم المشركة ءايلة إلى مودّة، والفرقة بينهم إلى ألفة بأن يدخلوا في الإسلام فتنتهي تلك المعاناة التي تكون أكثر إيلاما على المرء إذا جاءت من ذوي قرباه كما قال الشّاعر:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد
وقد تحقق ذلك بعد فتح مكة إذ انضوى أغلب أهلها تحت لواء الإسلام، والتّذييل بقوله: (وَاللَّهُ قَدِيرٌ): مناسب لذلك التّحوّل العجيب الذي أحدثه الفتح وعطف عليه: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ): أي يغفر لمن أخطأتم أناب إليه بالتّوبة والدّخول في الإسلام ومنهم من كانوا أئمة الكفر كأبيّ سفيان ثم يضع الله القاعدة الأساسية في العلاقة الخارجية بين المسلمين وغيرهم فيقول:
(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمُ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىآ إِخْرَاجِكُمُ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَّتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ):
إنها القاعدة العادلة يتخذ منها المسلمون أساسا لمعاملتهم مع أعدائهم حين يكونون معاهدين في هدنة مع الإسلام لا يعتدون عليه ولا يعترضون دعوته بسوء: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال: 61). فلا ينفعها إلا وقوع الاعتداء أو توقع الخيانة والغدر، وفي ما سوى ذلك فهي المهادنة والسّلم، ـ بل البرّ والإحسان لحقوق الرّحم وصلة القربى، وهذه القاعدة اقتضاها موضوع السّورة من النّهي عن موالاة الأعداء إذ يقوم التّصوّر الإسلامي في تحديد العلاقة بين المؤمنين ومخالفيهم على مراعاة العقيدة وحدها، وتطبيق منهج الله في الأرض، أما ما وراء ذلك من الاعتبارات والمنافع الآخرى فلا قيمة لها في ان يتخاصم النّاس عليها.
وقيل في سبب النّزول ما أخرجه البخاري وأحمد ومسلم أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قدمت أمّي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا فأيْت النّبيء صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمّي قدمت وهي مشركة، أفأصلها؟؟ .... قال: نعم، صلي أمّك، فأنزل الله الآية: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ): إن هذه الآية قد أخرجت من حكم النّهي عن موالاة المشركين، أخرجت أولئك الذين لم تتبت فيهم تلك الصّفات التي ذكرها الله أنها السّبب في ذلك النّهي وهم الذين لم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم بأن كانوا معاهدين كما حدث في صلح الحديبية ومثل بني خزاعة الذين دخلوا في حلف الرسول. وقوله: (أَن تَبَرُّوهُمْ): أي لا ينهاكم من أن تبرّوهم، والبرّ هو حسن المعاملة والإكرام، والقسط: العدل، وذلك يشمل كثيرا من أخلاقيات التّعامل، كصلة الرّحم، وحسن الجوار والضّيافة وإغاثة الملهوف الخ ......