نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الممتحنة

الجزء ١٨ · صفحة ٤٩٩

(وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): (عِصَمِ): جمع عصمة وهو ما يعتصم به من عقد وسبب. (الْكَوَافِرِ): جمع كافرة أي اللآتي لم يخرجن مع أزواجهن لبقائهن على الكفر.

(وَاسْأَلُوا مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَآ أَنفَقُوا): أي ما أنفق كل طرف من المهر

(وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنَ اَزْوَاجِكُمُ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الذِينَ ذَهَبَتَ اَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا): ذلك بالنّسبة إلى النّساء المرتدات إلى دار الشّرك، ولم يعط المشركون المهور التي دفعت لهن. (فَعَاقَبْتُمْ): أي كانت لكم العقبى بالغلبة والنصر، يعطي الذين ذهبت أزواجهم من الغنيمة مثل ما انفقوا ويقول ابن عباس قبل أن تخشى.

ج) - أوجه القراءة:

(تُمْسِكُوا): قرأ الجمهور -بضمّ التّاء- وسكون الميم وسكون السّين مخففة. وقرأ أبو عمرو: -بضمّ التّاء وفتح الميم وتشديد السّين مكسورة مضارع- "مسّك" بمعنى أمسك.

د) - البيان والتّفسير:

بعد تأكيد النّهي عن موالات المشركين وإذ كان التّناكح من أوكد أسباب الموالاة. فقد يكون المسلم زوجا لمشركة وتكون المسلمة زوجا لمشرك، بيّن الله تعالى حكم الشّريعة في ذلك فقال:

(يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَآءَكُمُ الْمُومِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُومِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ): يبدو أن مثل تلك الحوادث حدثت بعد صلح الحديبية سنة ست للهجرة، لأن مشركي مكة صالحوا رسول الله على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى من أهل مكة من أصحاب الرّسول فهو لهم، ويعلّق السّيد قطب في ذكر سبب النّزول فيقول:

"وقد ورد في سبب نزول هذه الأحكام أنه كان بعد صلح الحديبية الذي جاء فيه: "على أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا". فلما كان الرّسول والمسلمون معه بأسفل الحديبية جاءته نساء المؤمنات يطلبن الهجرة والانضمام إلى دار الإسلام في المدينة، وجاءت قريش تطلب ردّهن تنفيذا للمعاهدة، ويظهر أن النّصّ لم يكن قاطعا في موضوع النّساء، فنزلت هاتان الآيتان تمنعان ردّ المهاجرات المؤمنات إلى الكفار يفتن في دينهن وهن ضعاف ونزلت أحكام هذه الحالة الدّولية معها تنظم التّعامل فيها على أعدل قاعدة تتحدّى العدل في ذاته دون تأثر بسلوك الفريق الآخر، وما فيها من شطط وجور" (1).

قلت: وقد روي أن النّبيء صلى الله عليه وسلم: سألوه إرجاع النساء المؤمنات وطلبوا تنفيذ شروط الصلح، فقال: "إنما الشّروط في الرّجال لا في النّساء" قال: (فَامْتَحِنُوهُنَّ): أمر الله بأول إجراء مع المؤمنات المهاجرات وهو إختبارهن بأن يستحلفن بالله ما خرجن من بعض زوج ولا رغبة في منفعة دنيوية بل ما خرجن إلا حبّا لله ورسوله، قال تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُومِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ): أي لا يعلم حقيقة إيمانهن إلا الله ويكفي في علم البشر غلبة الظّن بأنهن مؤمنات بحسب الظّاهر، فلا يجوز في تلك الحالة أن يرددن إلى أزواجهن الكفار، فقد اقتضت حكمة الله أن تستقرّ الأوضاع الأسرية في المجتمع المسلم على أسس العقيدة الإيمانية وتنقطع كل الوشائج الأخرى، لأن الإيمان وحده هو الذي تتجاوب به القلوب وتتولد عنه السّكينة

٥٬٨٩٥ / ٦٬٧٦٧