سورة الممتحنة
الجزء ١٨ · صفحة ٥٠٠والاستقرار في الحياة الرّوحية، وقد اختلف العلماء في كون الأمر بالاختبار للوجوب أم للندب، لأن الأحكام الأخرى تنبني على نتيجة ذلك الاختبار سلبا وإيجابا. وتلك الأحكام هي:
أ) - (لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ): كانت الرّوابط الزّوجية في أول الهجرة متروكة للمألوف القائم، فكم يكن يفترق بين الأزواج بسبب إختلاف الدّين، ولكن بعد تبلور المجتمع المسلم بسماته المميزة سيما بعد صلح الحديبية فقد دعت قواعد التّنظيم الأسريّ إلى تلك المفاصلة الكاملة، فحرمت المسلمات على المشركين.
ب) - (وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُوا): إنه تعريض المشركين الذين فارقتهم أزواجهم المسلمات، تعريض الذي عزموه عليهن من المهور.
ج) - (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمُ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): أي الخطاب للمؤمنين يبيح الله لهم الزّواج بالمؤمنات المهاجرات متى آتوهن صداقهن، ويبقى الخلاف الفقهي في شرط العدة، وإذ أوجبت فكيف تتمّ؟؟ … بثلاثة قروء أم لمجرّد استبراء الرّحم؟ ....
وقوله: (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): صريح في تحريم المشركات المؤمنات دون الكوافر من أهل الكتاب.
د) - (وَاسْأَلُوا مَآ أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَآ أَنفَقُوا): أي للمسلمين أن يطالبوا بمهور نسائهم إذا ارتددن، كما للمشركين أن يطالبوا بمهور أزواجهم إذا أسلمن -كما تقدم-.
(ذَالِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ): الإشارة إلى الأحكام المذكورة أنها الحكم الإلاهي العادل في تسوية تلك القضية يربطه الله تعالى بالرّقابة الإيمانية المتيقنة بعلم الله وحكمته، وهناك حالة خاصة قال تعالى عنها:
(وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنَ اَزْوَاجِكُمُ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَئَاتُوا الذِينَ ذَهَبَتَ اَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ): أي على الكفار ردّ مهر المرأة التي تعود إلى دار الكفر، فإذا امتنع أهلها من ردّ حق الزّوج المؤمن، فأصاب المسلمون غنيمة من خصومهم فإن الإمام يعوّض الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا يعوّضهم من مال الفيء قبل قسمته كما أمر الله.
وأخيرا يعقل الله تلك الأحكام بالأمر بالتقوىّ: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الذِي أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ): فإذا زالت الفوارق الاجتماعية المبنية على الجنس واللّون والنّسب، فإن تقوى الله هي الوشيجة الوحيدة التي تربط بين القلوب وهي مفعمة بالإيمان متمسكة بهدي القرآن.
-والله أعلم-