سورة الممتحنة
الجزء ١٨ · صفحة ٥٠٢قيل إن الآية نزلت يوم الفتح، فإنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بيعة الرّجال أخذ في بيعة النّساء وقد أخرج الإمام البخاري عن عروة بن الزّبير أن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله كان يمتحن من هاجر إليه بهذه الآية فمن أقرت بهذا الشّرط من المؤمنات قال لها رسول الله، قد بايعتك -كلاما- ولا -والله- ما مسّت يده يد امرأة في المبايعة قطّ ما بايعهن إلا بقوله، قد بايعتك على ذلك.
بعد أمره تعالى بامتحان المؤمنات المهاجرات -كما تقدم- أكمل ذلك ببيان الأسس والمقومات التي تقوم عليها الحياة الجديدة من أمور الدّين ويلاحظ أنهن كلهن منهيات من الأمور التي كانت تمارس في الجاهلية وذلك على قاعدة التّخلّي قبل التحلّي، وكما أخذ الرّسول هذه المبايعة من النّساء أخذها من الرّجال سواء في بيعة العقبة أو في المدينة بالذات أو بعد فتح مكة، حين جلس على الصّفا يأخذ البيعة من الرّجال كما جلس عمر أسفلها يأخذها من النّساء بأمر من رسول الله كما تذكره الرّوايات.
(يُبَايِعْنَكَ عَلَىآ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا): أي لا يعلن شيئا من الأشياء شريكا لله والوحدانية لله هي الرّكيزة الأولى في العقيدة الإسلامية علقت عليه هند بنت عتبة بقولها: "لما بايعت رسول الله، فقالت: كيف يقبل منا ما لم يقبل من الرّجال"؟. تعني إن هذا الأمر ظاهر.
(وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ): أي عدم إتيان الحدود، وكلها أمور كانت تمارس في الجاهلية، فلا تجوز لهن السّرقة ولو من مال أزواجهن أو ءابائهن أو أمهاتهن وحتى من أولادهن، واستثنى الرّسول لهند بنت عتبة ما تأخذه من مال زوجها لنفقة أولادها لأنه كان رجلا شحيحا.
(وَلاَ يَزْنِينَ): بأي شكل من أشكال الزّنى ولو بيدها مما يسمّى بالعادة السّرية، وقد علقت هند على ذلك بقولها: أو تزني الحرّة؟؟ … لأن زنى الحرائر قليل في الجاهلية.
(وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ): خوف الفقر أو العار كما كان الجاهليون ينبدون بناتهم، ومن قتل الأولاد أكل الدّواء للإجهاض أو القيام بأي محاولة لفعل ذلك ولو كان الجنين نطفة وعلقت هند بعد أن عرفها رسول الله من خلال حديث زوجها أبي سفيان، إذ كانت متنقبة خوفا من إساءتها إليه في قتل عمّه حمزة، علقت على قتل الأولاد فقالت: "ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا فأنتم وهم أعلم" وتعني بالقتيل ابنها حنظلة إذ قتل في غزوة بدر.