نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّف

الجزء ١٨ · صفحة ٥٠٩

بدأ الله بقصّة موسى مع قومه وهو يواجه إذاياتهم المتعددة بإنكار وتوبيخ ويقول لهم في عتاب لطيف: (يَاقَوْمِ لِمَ تُوذُونَنِي):؟؟ … وهم على يقين من أنه الرّسول الحق إليهم، وتصوير الخبر بـ (إِذْ): توجيه لرسول الله بأن يذكّر بذلك قومه تحذيرا لهم من أن يقعوا في ما وقع فيه بنو إسرائيل من العصيان ومخالفة أمر رسولهم، وكمّ من إذايات تعرّض لها موسى عليه السلام فصبر لها، وقد شهد له رسول الله بذلك حين قال عنه: «رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». وفي التّذكير بقصته تسلية لرسول الله في ما يصيبه من كفار قريش وحبّ للمؤمنين على التّزام طاعته وقد جاء النّهي صريحا في قوله تعالى: (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالذِينَ ءَاذَوْا مُوسَىا فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69).

ومع ذلك العتاب اللطّيف كيف كان موقف القوم؟؟ … إنه ما اختاروه من الزّيغ والضّلال من بعدها توفرت لهم دلائل الحق ووضحت سبل الإستقامة على يدي رسولهم. (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ): أي أبقاها على الزّيغ وفق اختيارهم لذلك، إذ فسقوا عن منهج الله فحرموا من وصايتهم على دين الله وانتقلت قوامته إلى غيرهم.

(وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): أظهر في مقام الإختام ليشمل الحكم كل من تحققت فيه صفة الفسق من المذكورين وغيرهم.

(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَآءِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراَم بِرَسُولٍ يَاتِي مِنم بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ):

الجملة معطوفة على سابقتها في طلب التّذكير والتّقدير واذكر يا محمد لقومك حين قال عيسى ابن مريم: (يَابَنِي إِسْرَآءِيلَ): ناداهم بانتمائهم إلى جذهم إسرائيل لأنه لا ينتمي إليهم إلا من جهة أمّه "مريم" عليه السلام إذ هو من خلق الله لا أب له، وأصل النّسب هو ما يكون من جهة الأب، وفي ذلك النّداء نوع من الإستعطاف لهم في الإعتزاز بأصلهم كما يعتقدون، قدّم نفسه إليهم بصفة رسالة الله لا يغيرها مهما وصفه به النّصارى من البنوّة لله -حاشاه- واعتبر نفسه حلقة وصل مباركة بين الرّسالتين: التّوراة والقرآن، فقد جاءهم بما يؤكد ما في التّوراة ويكملها، كما يحمل بشارة الرّسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وهذه البشارة ثابتة بهذا النصّ وإن جحدها أهل الكتاب وحاولوا إخفاءها بعدما علموا أن الرّسالة الخاتمة انتقلت إلى الفرع الآخر من ذرية إبراهيم عليه السلام ولا أثبت لذلك مما نصّه القرآن وهم يعونه ويعرفونه إذ قال تعالى: (الذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيءَ الاُمِّيَّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِنجِيلِ يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمُ إِصْرَهُمْ وَالاَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف:157).

٥٬٩٠٥ / ٦٬٧٦٧