نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الجمعة

الجزء ١٩ · صفحة ٣

(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ):جاءت الإفتتاحية بدوام تسبيح كل ما في الوجود لله سبحانه وتعالى ثم ما وصف الله به ذاته العليّة من أوصاف الكمال بعزة الملك والتّنزه عن كل النّقائص وبالحكمة في تدبير شؤون الخلق، جاءت تلك الافتتاحية الكريمة مناسبة لما تعالجه السّورة من زحزحة اليهود عن تحمّل أمانة الوحي ومباهلتهم في دعواهم إنهم أولياء لله من دون الناس أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين في دعواهم، وتقوى المناسبة بين مفتتح السّورة وختامها لانقضاض أغلب المصلين خلف رسول الله في صلاة الجمعة وهو قائم يخطب، وانصرافهم لقافلة التّجارة التي جاءت من الشّام، إذ عالجت السّورة بحكمة ذلك الضّعف النّفسي في الجماعة المسلمة بتهافتها لحب المال واللّهو، فكان ذلك الإخبار في مفتتح السّورة بإقرار وحدانية الله وقوته وعظمته وتسبيح كل ما في الوجود بحمده، ثم أعقب ذلك بوصف رسوله بما يميزه من خصائص وهو الموضوع الرّئيسّي للسّورة إذ قال تعالى:

(هُوَ الذِي بَعَثَ فِي الاُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ):

لما كان من مقتضيات تلك الصّفات الكاملة للذات العلية الإهتمام بشؤون الخلق فقد اقتضت حكمته تعالى أن يبعث في الأميين رسولا منهم، والمقصود بالأميين العرب إذ كان أكثرهم لا يحسن القراءة والكتابة والإتيان بالجملة الاسمية في أول الآية هو للتأكيد بأن الرّسول مبعوث من قبل الله حقا وصدقا وقوله: (فِي الاُمِّيِّينَ): أي في وسطهم ملازما لهم. و (مِّنْهُمْ): أي من جنسهم متصفا بالأمية مثلهم، ثم عذه الله منته وفضله على هذه الأمة فقال مبيّنا مهمة هذا الرّسول الكريم في تربية أمته وإخراجها لعالم الواقع بميزاتها وخصائصها.

٥٬٩١٥ / ٦٬٧٦٧