سورة المنافقون
الجزء ١٩ · صفحة ٢٤يخبر الله رسوله أن لا فائدة في استغفاره لهم فهو كعدمه إذ لا مطمع في مغفرة الله لهم جزاء على إصرارهم على النفاق وانطوائهم على الكفر، وقد جاء في سورة التّوبة قوله تعالى لرسوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمُ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمُ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَّغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (80). وقد أخرج ابن جرير عن عروة قال: لما نزلت هذه الآية، قال النّبيء صلى الله عليه وسلم: لأزيدين على السّبعين، فأنزل الله: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمُ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمُ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ): وهذا الموقف الكريم من الرّسول يعكس حرصه الشّديد على إفلاح هؤلاء عن نفاقهم لعل الله يغفر لهم، ولكن التّذييل بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): يعلل ذلك الحرمان من المغفرة بأنه الفسق عن طاعة الله وهو يستوجب الغضب والمقت.
ثم أورد الله بعض مقالاتهم في مجامعهم وهم يستعد من بعضهم بعضا على حرمان ضعفاء المسلمين من مختلف الإعانات التي ينفقونها عليهم حتى يجوعوا ويتفرقوا عن رسول الله.
(هُمُ الذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا):
وإن كانت السيرة تروي أن القائل لذلك هو عبد الله بن أبيّ فإن تقبل أتباعه لذلك يجعلهم مشاركين له في بث تلك الدّعاية، التي كانوا يشرونها بينهم باستمرار كما تدلّ على ذلك صيغة المضارع: (هُمُ الذِينَ يَقُولُونَ): وحرب التجويع هي من الأساليب الشّيطانية التي يمارسها أعداء العقيدة والإيمان منذ القدم. وما خطة قريش في حصار بني هاشم في شعاب مكة إلا من هذا النّوع من محاربة المؤمنين ظنا من هؤلاء الملحدين الحقودين أن ملء البطون هو الهدف الرئيسيّ في الحياة وأنهم وكلاء على خزائن الرزق، ولكن الله ردّ عليهم بقوله: