سورة المنافقون
الجزء ١٩ · صفحة ٢٩الأمر بالإنفاق مما رزق الله لا يخصّ إنفاق الأموال وحدها، لأن ما رزق الله عباده من أنواع النّعم لا يقتصر على المال وحده فهناك الصّحة وهناك العلم وهناك الرّأي والجاه الخ .... وإن كان المال هو القِوام الأساسّي لمتطلبات الحياة، وهذا الأمر الإلاهي هو إبطال لدعاية المنافقين في الكف على الإنفاق على من عند رسول الله، ومدلول هذا الأمر يشمل كل ما هو في حكم الوجوب كالزّكاة والإطعام وما ينفق للحج والجهاد، أو ما هو في حكم النّدب من أنواع الصّدقات الأخرى. وقوله تعالى: (مِن مَّا رَزَقْنَاكُم): فيه إيجاد بالشّكر لما أنعم الله على عباده بصرف تلك النّعم في ما خلقت لأجله ويحتمل في: (مِن): أن تكون للبيان أو للتبعيض، ويتعين أحد الإحتماليت بمراعاة الأحوال العامة للأمة، وطلب إنقاذ ذلك قبل الموت فيه إرشاد على الإنفاق حال الصّحة كما جاء في الأثر: "الدّرهم في الحياة خير من سبعين بعد الموت" وكما قيل: "أنفق وأنت صحيح شحيح" فالذين يتساوفون ويتركون ذلك للتسجيل في وصاياهم لا يضمنون تنفيذها في غالب الأحوال، فإن الحزم يقضي بالمسارعة إلى الخير والمبادرة إلى الإنفاق قبل حضور علامات الموت التي قد ..... الإنسان في صباح أو مساء فيسأل ربّه أن يؤخّره إلى أجل قريب ليستدرك ما فاته من العمل الصّالح، ولكن هيهات ويقول ابن عباس: «سؤال التأخير هو طلب الرّجوع إلى الدّنيا بعد الموت ثم روى قوله صلى الله عليه وسلم من كان له مال يبلغه حجّ بيت ربّه أو تجب عليه فيه الزّكاة فلم يفعل سأل الرّجعة عند الموت»(1).
(1) 1 - الحديث: أخرجه الترمذي والطبراني.