سورة المنافقون
الجزء ١٩ · صفحة ٢٨تتوالى النداءات الرّبانية للجماعته المؤمنة في أواخر المستبحات وما تخللها من الشعور المدنية وكلها إرشاد وتوجيه للمجتمع المسلم لإبراز الشخصية المسلمة بصفاتها المتميّزة، وذلك بترشيدها إلى الأخذ بأسباب العزة والكرامة واستكمال خصائصها الإنسانية بتجنيبها وتحصينها من كل الشّوائب الجاهلية الرّعناء من آيات النّفاق تلوث به المحيط العامّ في المدينة المنوّرة، ولا يغفل الخطاب القرآني والتّوجيه الرّباني ما يمكن أن يتغلغل إلى دواخل البيوت المؤمنة من مغريات وملهيات هي من مقتضيات الحياة البشرية وفي واقع طبعها وفطرتها كفتنة الأموال والأولاد، وكلتاهما ملهاة ومدعاة للإنشغال والغفلة عن ذكر الله، فجاء النّهي الإلاهي عن الإنشغال بهما عن ذكر الله بعد حكاية مقال المنافقين بقولهم: (لاَ تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا): وقدّم ذكر الأموال على الأولاد لأنهما أكثر إلهاء بالتفكير والعمل في كسبها وإنمائها وهي تتطلب وقتا وجهدا أكبر من رعاية الأولاد، وذكر الله يشمل كل أنواعه من النّطق باللّسان صلاة وتلاوة وتسبيحا وتحميدا، ومن التّأمل الواعي والتّدبّر في جلال الله وعظمته لأن المؤمن الوفيّ لا ينسى وهو في غمرة تلك الزينة الدنيوية من مال وبنين لا ينسى واهب تلك النعم له، وبالتّالي لا ....... عن واجب الشّكر لأنه ضمان بقائها ونمائها والتذييل بقوله تعالى: (وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ): فيه تحذير تنديد من ذلك اللّهو والانشغال عن ذكر الله إذ حكم الله على صاحبه بالخسران المبين وذلك بخسرانهم في الدّنيا والآخرة.
ثم حرّض الله المؤمنين على الإنفاق قبل مداهمة الموت لهم فقال:
(وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلآَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ):