نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التغابن

الجزء ١٩ · صفحة ٤٧

(إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ): أدمج الأموال مع الأولاد في كونهم فتنة وعمّم صفة الافتتان في الأولاد بعد تخصيص حال بعضهم في الآية السّابقة، وكان المسلمون قد فتنوا في أموالهم بمكة، وفتنة المال تغري وتشغل الإنسان عن ذكر الله وتمنعه عن كثير من أبواب الخير، وفتنة الأولاد من فتنة الأزواج في الآية الثانية وكونهم هم الفتنة نفسها للمبالغة، وقد أخرج أبو داوود عن بريدة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن والحسين يعثران ويتومان فنزل الرسول عن المنبر فأخذهما وجذبهما ثم قرأ: (إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ): وقال: رأيت هذين فلم أصبر ثم أخذ في خطبته، قال تعالى: (وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ): أي يكون الجزاء العظيم بنعيم الجنة عند الله لمن ينجح في ذلك الإمتحان بالصبر في مواجهة تلك الفتنة.

(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَنْ يُّوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):

الجملة معطوفة على سابقتها وارتبطت بفاء التفريع، لدفع توهّم التكليف بما لا يطاق من الصبر على فتنة الأموال والأولاد فجاء الأمر بتقوى الله في حدود الاستطاعة حتى لا يصدّكم ذلك الحبّ للأموال والأولاد عن القيام بواجبكم في السمع والطّاعة لأوامر الله ورسوله، ونلمس اللطف الإلاهي في هذا القيد: (مَا اسْتَطَعْتُمْ): فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فلا تعارض ولا نسخ -كما يدّعيه البعض- بين هذه الآية وقوله تعالى: (الله حق تقاته): إذ يكون تمام التقوى في حدود الإستطاعة لا غير ثم يحرّض الله المؤمنين على الإنفاق بصفة عامة سواء للعيال أو في سبل الخير، لأن ذلك خير للنفس ذاتها، لأنه تطهير لها من الشّح والبخل وفي ذلك الفلاح المضمون.

٥٬٩٥٩ / ٦٬٧٦٧