نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة نوج

الجزء ١٩ · صفحة ١٨٥

(مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمُ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا): أي إن كثرة خطاياهم هي السبب في إغراقهم بالطّوفان كما هو مفصّل في سورة هود، فالفرق بالطّوفان هو العذاب الدّنيويّ العاجل، وأما إدخالهم النّار فهو العذاب الأخرويّ الآجل واختير له صيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع وأما إشكالية الرّبط بإلغاء الدالة على الترتيب والتعقيب فلا فترين في ذلك تأويلات لا تخلو من تكلف مثل قولهم: قد يكون هو عذاب القبر في الفترة ما بين الدنيا والآخرة، وأحسن ما قيل في ذلك الفاصل الزمني بين الإغراق والإحراق كأنه غير موجود، لأنه في موازين الله لا يحسب شيئا كما سبق أن قال: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 6 - 7).

والتّفريع بقوله تعالى: (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا): هو للتعريض بمشركي مكة من عبدة الأصنام على قاعدة: "إياك أعني واسمعي يا جارة" فليس لهم من دون الله وليّ ولا شفيع.

وما يزال نوح عليه السلام لم يشف غليله من الدّعاء على قومه إذ بدت له الأرض كلها موبوءة ملوثة بالشّرك بحيث لا يرجى فيها إيمان بأمه وإذعان لشرائعه إلا بتطهيرها كلية من تلك الجراثيم فقال:

(وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا* اِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا):

لقد أدرك نوح ببصيرته الثاقبة ما آل إليه مجتمع قومه من الشّرّ والفساد بحيث يستعصى عن أي علاج لأن جراثيم الضّلال والفساد قد تسرّبت إلى جذور تلك البيئة الموبوءة بحيث لم يبق فيها أي فضاء طاهر يكون محضنا لذرية صالحة من بعدهم، ولذلك دعا ربّه على قومه بعذاب الاستئصال كما قال الشّاعر:

إذا فسد العضو في أصله … فأولى العلاج له أن يبين

٦٬٠٩٧ / ٦٬٧٦٧