نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة اللّيْل

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

وللترغيب في الفلاح بدأ الله بالتّزكية، وعلى مقابلتها بالخيبة يعرض الله تعالى نموذجا تاريخيا واقعيّا، ويبين كيف انتهت عاقبته، ممثلا في أصحاب ثمود فقال تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَسُقْيَاهَا، فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا، فَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا)، اختصر الله أحداث هذه القصّة وهي مفصّلة في سور أخرى من القرآن، فذكر الله هنا أنّ ثمود قد تجاوزت الحدّ في الكفر والطّغيان إذ كذبت برسولها صالح عليه السلام رغم تأييد الله له بمعجزة النّاقة وتحذيره إياهم أن يمسّوها بسوء، ولكنهم بسبب طغيانهم تمالؤوا كلهم على عقرها ونحرها بتنفيذ أعظمهم كفرا وشقاء، فاستوجبوا بذلك غضب الله ونقمته إذ أهلكهم بعذاب الاستئصال فأخذتهم الرّجفة وسوّى الله بهم الأرض وهو لا يخاف عاقبة ما يفعل وهو القاهر فوق عباده. وقد يتبادر إلى الذّهن هذا السّؤال: ما علاقة هذه القصّة بما ورد في المحور الأول من السّورة من المقسم به والمقسم عليه؟، فنقول:

أ) - إنه المثل التّاريخي الحيّ الذي يعرفه مشركو مكة على طريق قوافلهم إلى الشّام ينبئهم إلى ما يمكن أن يلحق بهم من بطش الله إن استمروا على تكذيب الرّسول وإذايته.

ب) - ومن خلال عرض هذه القصّة بعد بيان فطرة النّفس البشرية وقابليتها للهدى والضّلال ندرك رحمة الله بهذا الإنسان إذ لم يدعه لفطرته وحدها، بل ساعده ببعث الرّسل وإنزال الكتب لترشده إلى الطّريق السّويّ وتدلّه على الإيمان وترشده إلى العمل الصّالح وتضع له موازين الحق والهدى وتكشف له مزالق الهوى وغوايات الشّيطان حتى لا يخطئ في الاختيار الصّحيح، والله أعلم.

سورة اللّيْل مكيّة، وآياتها 21

- بين يدي السّورة الكريمة:

٦٬٣٥٨ / ٦٬٧٦٧