نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الضّحى

الجزء ١ · صفحة ١٨٥

(فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ الاَشْقَى، الذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى): وبأسلوب الخطاب فرّع الله على ما سبق إنذاره للمخاطبين من عذاب جهنم المستعرة بلهيبها الشّديد الذي لا يحترق به إلا أشقى عباد الله كفرا وعنادا ممن أعرض عن الإيمان بالله وكذّب برسوله.

ثم أبان سبيل النّجاة فقابل الأشقى بالأتقى وقال: (وَسَيُجَنَّبُهَا الاَتْقَى، الذِي يُوتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى): والتّمييز بصيغة التّفضيل في كلّ من "الأشقى" و"الأتقى" يدلّ على بلوغ الموصوف بكل منهما الحدّ الأقصى في تلك الصّفة، فالشّقي تتفاوت دركاته في الانحطاط حتى يبلغ الدّركة السّفلى، كما أن التّقي يعلو صعدا في درجات التقى حتى يبلغ درجة المحسنين والصّديقين، وقد روي أنّ المقصود بوصف الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى، أي يتطهر من ذنوبه، هو أبو بكر الصّديق رضي الله عنه، إذ كان له عتقاء كثيرون حرّرهم لوجه الله، وكان منهم بلال رضي الله عنه، أعتقه في سبيل الله، فقال المشركون: إنما فعل به ذلك ليد كانت له عنده، فنفى الله عنه ذلك وشهد له بالإخلاص وأنه لم يفعل ذلك إلا ابتغاء مرضاة الله إذ قال تعالى: (وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ الاَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى).(1)

أي لا يتصدق بماله مقابل مزية أو منفعة لأحد من النّاس عليه، وإنما يفعل ذلك إحسانا وتفضلا وهو يرجو ما عند الله من أجر ومثوبة، والله يعطيه من فضله ويغدق عليه من نعمه حتّى يرضى، وبلوغ المعطى له غاية الرّضى هو دليل على جزيل المكافأة وحسن التّكريم، وذلك وعد من الله لكلّ من حقّق في حياته تلك الصّفة وأخلص عمله لله، فالآية حكمها عام، وإن ذكر المفسّرون سبب نزولها.

والله أعلم.

سورة الضّحى مكيّة، وآياتها 11

- بين يدي السّورة الكريمة:

(1) - الطبري، جامع البيان: 24/ 479.

٦٬٣٦٤ / ٦٬٧٦٧