نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الجنّ

الجزء ١٩ · صفحة ١٩٨

(وَإِنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَالِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدًا* وَإِنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الاَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا* وَإِنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ءَامَنَّا بِهِ فَمَنْ يُّومِنم بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا* وَإِنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنَ اَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا): يتابع الجنّ الحكاية عن أحوالهم المختلفة بما يصحح كثيرا من الأوهام التي يحملها البشر بخصوص معرفة طبيعة ذلك الخلق المستتر العجيب، فهم ذوو طبيعة مزدوجة إلا من تمخض منهم للشرّ كإبليس وذريته، فقد قرّر هذا النّفر المؤمن من الجن بأن منهم صالحين كإبليس في الصّلاح ومنهم دون ذلك، كما أن منهم مسلمين وفاسقين، أي جائرين فاسدين بمعنى أن لهم قابلية واستعداد للخير والشّرّ كالإنسان، لذا فهم مكلفون محاسبون على أعمالهم وأنهم في الدّنيا يشكلون فرقا مختلفة متباينة في توجهاتها، ولكن الفريق المؤمن منهم يدركون قوة الله ويذعنون لسلطانه وقهره، لا يملكون الانفلات من قبضته على عكس ما يعتقد فيهم الناس من القوة والتّمرّد، إذ هم عاجزون وهم في الأرض لا يقدرون على الهرب للانفلات من سلطان الله، وهم يحمدون الله على نعمة الهداية، إذ أنهم بمجرّد ما سمعوا القرآن صدّقوا وأقرّوا بأنه من عند الله حقا، فاكتسبوا بذلك ثقة بربهم واطمئنانا على رحمته وعدله فعرفوا بذلك حقيقة الإيمان، وأنه المؤمن بربّه لا يبخس حقه أبدا ولن يرهقه الله بما فوق طاقته في مجال التّكليف، بل هو العدل والإنصاف والرّحمة والإشفاق يعامل بها المؤمن في كنف الله، فلا قلق ولا أزمات نفسية، والمؤمن يعيش في توازن حتى إذا كانت الضّراء صبر فلم يهلع ولم يجزع وهو يرجو الفرج من ربّه وإذا كانت ..... شكر وحمدا لله عليها، فلا يتكبّر ولا يطغى، فهو في الحالين على خير، كما قال رسول الله.

٦٬١١٠ / ٦٬٧٦٧