55
الجزء ١ · صفحة ٣١٦﴿ وإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى ﴾ : خطاباً للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات ، هذا فى الحقيقة وإلا فالخطاب لبنى إسرائيل لكون السبعين من أسلافهم ، قال الكلبى : والجمهور اختارهم موسى ليستغفروا لمن عبد العجل بعد التوبة ، أو ليدعوا الله ليبين لهم كيف تكون توبتهم وكيف يكون الحكم فيهم ، قال النقاش وغيره : إنه اختارهم حين خرج من البحر وطلبوه بما وعدهم من الكتاب .
﴿ لَن نُّؤمِنَ لَكَ ﴾ : أى لن نخضع لك بالإيمان ، أو لن ننقاد لقولك أو لن نقر لك أو لن نؤمن لأجل قولك .
﴿ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ﴾ : أى عياناً وزادوا لفظ جهرة لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم ، وأصلها إظهار الكلام ، تقول جهرت بالقراءة جهراً . وجهرة ضد الإسرار ، استعير لمعاينة الشئ استعارة تحقيقية أصلية بجامع الظهور ، وفائدتها كمال الرؤية ، وهى مفعول مطلق لأنها نوع من الرؤية ، كأنه قيل حتى نرى الله رؤية كاملة ، أو مفعول مطلق لحال محذوفة أى حتى نرى الله جاهراً لنا جهرة أى ظاهرا لنا ظهوراً ، وقدر بعض مجهوراً بالرؤية ، قيل أو جاهرين جهرة ، أو حال من لفظ الجلالة ، أى ذا جهرة أو بمعنى جاهراً ، قيل أو من الضمير فى يرى أى جاهرين الله جهرة أو ذوى جهرة ، وقرئ جهر بفتح الهاء تبعاً للجيم أو مصدراً كالقبلة بفتح اللام ، ويضعف كونه جمع جاهر ككامل وكملة ، وإنما ضعفت الحالية من ضمير نرى ، لأن المراد طلب ظهوره تعالى لهم لا طلب ظهورهم ، وما هى إلا على التأويل بمعاينين ، والقائلون : ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات ، وقيل عشرة آلاف من قومه ، وروى أن طائفة ممن لم يعبدوا العجل قالوا : نحن لم نكفر كما كفر هؤلاء ، ونحن أصحابك فأسمعنا كلام ربك ، فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين ، فلم يجد إلا ستين ، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة ، ففعل فأصبحوا شيوخاً ، وكان قد اختار شابين من كل سبط ليختار عشرة فزاد اثنان فتشاحنوا فيمن يتأخر ، فاوحى الله إليه أن من تأخر له أجر من مضى ، فتأخر يوشع ابن نون وطالوت بن يوقنا ، وذهب موسى بالسبعين بعد أمرهم أن يجتنبوا النساء ثلاثاً ، ويغتسلوا فى اليوم الثالث ، واستخلف هارون على قومه ، ومضى حتى أتى الجبل فألقى عليهم الغمام . قال النقاش : غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور ، فوقعوا سجداً ، قال السدى : وسمعوا الكلام الذى خلق الله لموسى يأمر وينهى فلم يطيقوا سماعه ، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر ففعل ، فلما فرغوا وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعوا من كلام الله فذلك قوله تعالى : ﴿ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ﴾