هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

33

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

انتهى كلام الحسن . وفى إخباره تعالى إياهم بأنه يعلم الغيب وما يبدون وما يكتمون ، تلويح إلى عتباهم على قولهم : أتجعل؟ حيث قالوه ولم يتركوه . مع أن الأولى تركه ، والله تعالى عالم بما عساه أن يقال . فإن شاء بين لهم الحكمة فى جعله خليفة . وقوله عز وعلا : ﴿ ألم أقل لكم ﴾ . إلى ﴿ تَكْتُمُونَ ﴾ استحضاراً لقوله : ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ على وجه أبسطه ، فقوله D : ﴿ إنى إعلم ﴾ . . إلى ﴿ تكتمون ﴾ أبسط من قوله : ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ لكن لما كان معنى قوله : ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ هو شامل لمعنى قوله : ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض وَمَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ لأن معنى ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ أعلم ما لا تعلمون مع ما يعلمون ، حكاه بلفظ آخر غير الأول إذ لم يقل ألم أقل لكم إنى أعلم ما لا تعلمون ، ففى ذلك دليل على جواز الحكاية بالمعنى ، ولو اختلف اللفظ ، وازداد أو نقص ، وإنما استحضره احتجاجاً على قوله : ﴿ إنى أعلم لما لا تعلمون ﴾ لإنه لما بين لهم أن آدم علم ما لم يعلموا ظهر كالشمس إنه يعلم ما لا يعلمون بل زاد ظهورا ، وأما أصل الظهور : فقد اعتقدوه ولما بين لهم ازدادوا علما ، فعلوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، كما دلت عليه الآية وقد ازدادوا كمالا ، كما ازدادوا علما ، كما دلت عليه هذه الآية . وقوله : ﴿ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِم ﴾ مع قوله : ﴿ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بإِسْمَآئِهِمْ ﴾ ، وقوله : ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا إنك أنت العليم الحكيم ﴾ ألا تراهم زادوا خضوعا ومعرفة فى حق الله وطمانيته ، ومنع بعض حكماء الإسلام ذلك فى الطبقة العليا منهم ، لقوله تعالى : ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ وليس نصا فى أنهم لا يزيدون . مع أن الأصل الزيادة ، إذ هم مكلفون ، لهم عقول ورغبة فى الخير . وإنما قلت إن معنى : ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ شامل لمعنى ﴿ غنى أعلم غيب السموات . . ﴾ إلخ ولم أقل إنه نفس معناه لأنه أعم من معنى ﴿ إِنَّى أَعْلَمُ الغَيْبَ . . ﴾ إلخ . لأنه شامل لغير غيب السموات والأرض وغير ما يكتمون ، كغيب ما فوق السموات وما تحت الأرضين ، وفى قوله : ﴿ إنى أعلم ما لا تعلمون ﴾ وقوله : ﴿ إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض ﴾ دليل على أنه تعالى يعلم الأِياء قبل أن تكون . لأن مما لا يعلمون ، ومن غيب السموات والأرض . ما سيكون . ومن ذلك علمه بأسماء المسميات قبل أن تكون . وإن قلت : بم خاطب الله الملائكة؟ يعنى قلت خلق لهم كلاما فى الهواء أو فى خلق من مخلوقاته فسمعوه ، أو خلق لهم كتابة خاطبهم بها . . والله أعلم . فكلامه - تعالى - على هذه المعانى مخلوق صفة فعل ولا شك ، وأما وصفه - تعالى - بالكلام ، على معن نفى الوصف بالخرس ، فصفة ذات ، ثم إنه لا يشك أحد أنه - تعالى - عالم فى أزل بلا أول ، بكل كلام سيخلقه فى الهواء ، أو حيث شاء أو يكتبه وهذا عام لسائر خطابه للملائكة والثقلين وغيرهم بأمر أو نهى غيرهما .

٢٣٩ / ٧٬٦٨٠