57
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠﴿ وَظَلَلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ﴾ : السحاب الرقيق فى التيه ستراً لكم من حر الشمس . قيل : وقعوا فيه بدعاء بالعام بن عوراء سمع أهل بلده وهى بلدة الجبارين بقدوم موسى لقتالهم فسألوه أن يدعو لهم ألا يصلهم موسى وجنده فأبى . فما زالوا به حتى فتنوه عن دينه فدعا . وكان يحسن اسم الله الأعظم . ولما أوحى الله إلى موسى بذلك بعد سؤال عن موجب التيه ، أوحى الله D بأمر بلعام فقال : اللهم كما أحببت له فأجب لى فيه ، فنزع اسمه الأعظم منه وتدلى لسانه وكان يلهث كالكلب إلى أن مات ، ويأتى ذلك إن شاء الله فى سورة المائدة وسورة الأعراف . والصحيح أن موجب التيه أن موسى أمر . من بقى من القتل الواقع بعبادة العجل بقتال الجبارين ، وكانوا فى موضع التيه حين أمرهم وعصوه ﴿ وقالوا اذهَبْ أنتَ وربُّكَ فقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدون ﴾ فدعا عليهم موسى ، فعوقبوا بالبقاء فى ذلك الفَحْص أربعين سنة يتيهون فى مقدار خمسة فراسخ أو ستة يمشون النهار كله فيبيتون فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس ، فندم موسى فقال الله تبارك وتعالى : ﴿ فلا تَأْسَ على القَوْمِ الفاسقين ﴾ وروى أنهم ماتوا بأجمعهم فى فحص التيه بين مصر والشام ، ونشأ بنوهم على خير طاعة وخرجوا بعد الأربعين وقاتلوا الجبارين ، ولما حصلوا فى التيه ولم يكن لهم فيه ما يسترهم قالوا لموسى من لنا من حر الشمس ، فظلل الله سبحانه عليهم الغمام وقالوا بم نستصبح بالليل ، فضرب الله عمود نور فى وسط محلتهم مكان القمر ، وقال مكى من علماء الأندلس والشيخ هود C والقاضى : عمود نار كصاحب الكشاف ، وذكروا عموداً من نار يسيرون فى ضوئه ، وقالوا من لنا بالماء فأمر موسى بضرب الحجر كما قال الله تعالى : ﴿ وإذ استسقَى موسى لقومه فقُلنا اضْرِب بعصاك الحَجَر ﴾ ، وقالوا من لنا باللباس فأعْطوا ألا تبلّى ثيابهم ولا تتسخ ، وقالوا من لنا بالطعام فأنزل الله عليهم المن كما قال الله D :
﴿ وأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمنَّ ﴾ : وهو الترنجبين حلو أبيض يشبه الثلج ، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، لكل إنسان صاع ، وقيل كان أشد بياضاً من الثلج وأحلى من العسل ، ويأخذ أحدهم ما يكفيه يومه وإن زاد فسد ولم يبق عنده إلا يوم الجمعة فإنهم يأخذون ما يكفيهم فيه وفى يوم السبت ، ويبقى ولا يفسد لأنهم أمروا فى يوم السبت بالعبادة وترك أشغال الدنيا . وقال بعضهم : المنّ صمغة حلوة ، وقيل عسل ، وقيل شراب حلو ، وقيل الذى ينزل اليوم على الشجرة ، وكان طعمه كالشهد ، وقيل كان ينزل عليهم المن كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع الشمس ، وسُمي المن لأن الله سبحانه وتعالى مَنَّ به من غير تعب ، كما روى البخارى ومسلم عنه A :