43
الجزء ٨ · صفحة ١٢٥﴿ يَا أَبَتِ إنِّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ الْعِلْمِ ﴾ بالله .
وقيل : من النبوة ﴿ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى ﴾ على دينى ﴿ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً ﴾ مستقيما ، يوصلك إلى خير دائم ، وينجيك من عذاب مؤلم .
ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال : ﴿ يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ﴾ أى لا تطعه .
ويا أبت : دعاء ثالث لأبيه وزجر عما هو فيه؛ فإن عبادة الأصنام مع خلوها عن نفع مستلزمة للضر؛ فإنها عبادة للشيطان ، لحبه إياها وأمره بها . وبيَّن الضرَّ بأن الشيطان مستعص على ربك المولى بالنعم كلها كما قال :
﴿ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للِرَّحْمَنِ عَصِيّاً ﴾ كثير العصيان ، ومطيع العاصى المحارب عاص محارب ، مع أن الشيطان هو عدوك الذى لا يريد بك إلا كل هلاك وخزى ، وعدو أبيك آدم .
لكن إبراهيم عليه السلام لإمعانه فى الإخلاص ، وارتقاء همته فى الربانية ، لم يذكر هذه الجناية ، أعنى الجناية بالمخلوق ، وذكر الجناية برب العزة ، وهى عصيانه ، كأن نزره فى عِظم ما ارتُكب فى جنب الله غمر فكره ، وانطلق على ذهنه ، مع أن هذه الجنابة شاملة للجناية فى جنب المخلوق واصل لها . والشيطان الذى استعطى على ربك هو الذى ورطك فى الضلالة ، ليغضب عليك ربك ، وينتقم ، ويزيل عنك النعم . كما قال :
﴿ يَا أَبَتِ إنِّى ﴾ وسكن الياء غير الحرميين وأبى بكر ﴿ أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ ﴾ يصيبك ﴿ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ للِشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ قريناً فى اللعن أو العذاب فى النار ، تليه أو يليك أو ثابتاً موالاة؛ فإن كونه من أشياع الشيطان أكبر من العذاب ، كما أن رضوان الله أكبر من الثواب .
استهجن إبراهيم عليه السلام على أبيه عبادة الأصنام ، وزجَره عنها ، وخوَّفه سوء العاقبة بألطف وجه ، حيث عبَّر بقوله : يا أبت وكرره . وذلك دليل على شدة الحب ، والرغبة فى صرفه عن العقاب ، وحيث لم يصرح بأن العذاب لا حقٌ له ، بل عبَّر بالخوف ، وحيث عبَّر بالمس الذى هو فى العذاب بحسب الظاهر كالذوق فى الأكل ، وحيث عبَّر بعذاب نكرة كأنه قال بضع العذاب ، وغير ذلك مما مر ، كالتعبير بولاية الشيطان .
والخوف بمعنى العلم قاله الطبرى . أو على ظاهره ، أى إن أصررت على الكفر دخلت النار . وإلا فالجنة . كأنه قال : إنى أخاف أن تموت على كفرك فتدخل النار .
ورجَّحه بعض وقال : إنه فى وقت المقالة جاهل للعاقبة لم يكن آيساً من إيمانه . الرفق واجب على كل أحد فى مقام الرفق ، ولا سيما مَن هو نبى ، ولا سيما مع الأب .