46
الجزء ٨ · صفحة ١٢٦﴿ قَالَ ﴾ أبوه ﴿ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِى يَا إبْرَاهِيمُ ﴾ أتارك أنت عبادتها فتعيبها .
والاستفهام توبيخ وإنكار وتعجب ، يعنى أن آلهتى ما ينبغى أن ترغب عنها . وفى ذلك تسلية لرسول الله A عما كان يلقى من مثل ذلك من كفار قومه .
وشتان ما بين إبراهيم وأبيه؛ فإن إبراهيم عليه السلام على الحق ، وقد تعطف وتلطف لأبيه ما تلوته عليك . وأما أبوه فقابله بالفظاظة وغلظة العناد ، فناداه باسمه ولم يقل : يا ابنى أو يا بنىّ ، وأخره ، وقدم الرغبة اعتناء بعظم أمرها عنده . وراغب خبر ، وأنت مبتدأ ، وعن آلهتى متعلق برغبت محذوفا لا براغب ، لئلا يلزم الفصل بأَجنبى بين العامل والمعمول . والأجنبى هو أنت . قاله ابن هشام بمعناه .
والظاهر عندى جواز هذا الفصل ، فيجوز تعليقه براغب . ويجوز كون راغب مبتدأ وأنت فاعل أغنى عن الخبر . وعن متعلق براغب .
واعتُرض : بأن هذا الوصف كالفعل والضمير المرتفع بالفعل لا ينفصل بغير موجب .
وأجاب ابن هشام : بأنه لو لم ينفصل لاستتر فيُجهل المعنى ، بخلاف الفعل؛ فإنه يبرز معه متصلا ، ولأن طلب الوصف لمعموله دون طلب الفعل لمعموله ، فاحتمل معه الفصل وبأن مرفوع الوصف سد مسد واجب الفصل وهو الخبر .
﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ﴾ عن سب آلهتنا والرغبة عنها . ﴿ لأَرْجُمَنَّكَ ﴾ قال الحسن : بالحجارة .
وعن فرقة : لأقتلنك . والقولان قيل : بمعنى .
وعن ابن عباس : لأضربنك . فلعله أراد الضرب بالحجارة .
وعن الضحاك : لأرجمنك بالقول القبيح . فالمراد الشتم .
والظاهر عندى : أن مارد الحسن الطرد بالحجارة ، ومراد الفرقة إثباته ورجمه حتى يموت كما نفعل نحن بالزانى المحصَن .
وقيل : المعنى لأبعدنك عنى .
﴿ وَاهْجُرْنِى ﴾ العطف على محذوف دل عليه الرجم ، أى فاحذرنى واهجرنى أى تباعد عنى قبل أن أقتلك ، أو أن أقتلك بالضرب حتى لا تستطيع النهوض .
عن ابن عباس : اعتزلنى سالما لا تصيبك منى معرة .
قال الثعالبى : إذا قلنا : المعنى لأقتلنك فالمراد اهجرنى مع الانتهاء .
﴿ مَلِيّاً ﴾ دهراً طويلا من الملاوة بضم الميم وفتحها وكسرها ، وهى الحين . ومنه : اللوان : الليل والنهار ، أو هجرا مليا ، أى طويلا .
وقيل : اهجرنى مليّاً بالذهاب عنى .
وقيل : اهجرنى سالماً .
ويجوز تقدير القول أى وقال : اهجرنى .
ويجوز العطف على القول قبله . فافهم .