47
الجزء ٨ · صفحة ١٢٧﴿ قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ لا أجازيك ولا أصيبك بمكروه . وذلك أنه لم يؤمر بقتاله ، وفى ذلك توديع ومتاركة ومقابلة السيئة بالحسنة ، وخطابُ حليم لسفيه ، كقوله D : ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين ﴾ ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ وفيه دليل الهجران والمفارقة .
وقيل : ذلك سلام تحية .
والجمهور الآن على منع ابتدائك الكافر بالسلام .
ويجوز أن يكون تحية كما قال غير الجمهور؛ فإن الدعاء بالسلام ليس بأشد من الاستغفار الذى وعده ووفى به ، وقصده بالتحية استمالة قلبه .
﴿ سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى ﴾ سأسأل ربى أن يوفقك للتوبة والإيمان فتنال المغفرة وذلك حين أعياه أمره . وقد وفى بوعده بقوله المذكور فى الشعراء : ﴿ واغفر لأبى ﴾ وهذا قبل أن يَبِين لإبراهيم بالوحى ، أو بالموت على الكفر أنه عدو الله .
وفى الآية دليل على جواز الدعاء بالتوبة ، والهداية للكافر ما لم يمت على الكفر ، أو ينزل فيه النص على أنه شقى . والمشهور المنع .
وأما أن يقال : اللهم اغفر ذنوب فلان الكافر فلا يجوز .
قيل : إلا على شريطة التوبة عن الكفر ، وذلك ولاية الشرطية ، وهى وبراءة الشريطة غير جائزتين عندنا ، وهالك من عمل بهما الآن ، وأجازهما بعض أصحابنا المشارقة .
وقد حمل بعضهم الآية على استغفاره لذنوب أبيه مشترطا لتوبته ، كما ترد الأوامر والنواهى على الكفار . والمراد اشتراط الإيمان وكما يؤمر المحدِث بالصلاة ويراد اشتراط الوضوء ويؤمر الفقير بالزكاة ويراه اشتراط النصاب .
وقيل : وعده بالاستغفار ووفى؛ لأن عقله يمنع من ذلك . وهذا إيماء إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع فيها على الحل ، إلا ما يكون فِعله من مَناكر الأخلاق ، وفِعله من محاسنها .
ولما ورد الشرع بامتناع الاستغار للكافر امتنع قال عز وعلا : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ﴾ فلو كان إبراهيم قبل شارطا للإيمان لم يكن مستنكَراً ومستثنىً عما وجهت فيه الأسوة .
﴿ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً ﴾ الباء متعلق بما بعدها . والحفى : البار .
وقيل : البايع فى البر والألطاف .
وعن الكلبى - الحفى : الرحيم .
وقيل : اللطيف .
وقيل : ذو المنزلة ، أى هو بى حفى فيجيب دعائى ولا يرده ، وقد عودنى الإجابة .
وفى ذلك شكر من إبراهيم عليه السلام لنعم الله تعالى .