72
الجزء ٨ · صفحة ١٥٧﴿ ثُمَّ نُنَجِّى ﴾ وقرأ الكسائى بالتخفيف وإسكان النون .
وقيل : هذه أيضا قراءة يعقوب . قيل : وقرئ ننجى بالبناء للمفعول ولا وجه المفعول ليلة بنون واحدة فيكون ماضيا مكسور الجيم مفتوح الياء للاستقبال . وقرأ ابن مسعود وابن عباس والجحدرى وابن أبى ليلى بفتح التاء على الظرفية .
﴿ الَّذِينَ اتَّقُوْا ﴾ الشرك والكفر منها ﴿ وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا ﴾ فى النار أو حولها . ﴿ جِثِيّاً ﴾ فيمضى المسلمون منها أو من حولها ويبقى الكافرون فيها أو يبقون حلوها ثم يطرحون فيها .
قال ابن عبد البر - من علماء الأندلس وزهادها فى التمهيد - بعد أن ذكر رواية الورود بمعنى الدخول : وعن كعب الأحبار أنه تلا : ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ فقال : أتدرون ما ورودها؟ إنه يجاء بجهنم فتسمك للناس كأنها متن إهالة يعنى الوَدَك الذى يجمع على القِدر من المرقة ، حتى إذا استقرت عليها أقدام الخلائق بَرِّهم وفاجرهم نادى مناد : أن خذى أصحابك وذرى أصحابى ، فتخسف بكل ولى لها ، فهى أعلم بهم من الوالدة بولدها ، وينجو المؤمنين ، نَدِّيةً ثيابهم . انتهى .
والمراد بالظالمين ظالموا أنفسهم بالشرك ، أو بالكبيرة غير الشرك . فأصحاب الكبائر ممن يخلد فيها . وقومنا يقولون : إن الظالمين المشركون ، أو هم وأصحاب الكبائر . فتركهم فيها إدخالهم وتعذيبهم ، ثم يخرج أصحاب الكبائر بعد .
واحتج بعض القوم على أن الظالمين المشركونن وأن الذين اتقوا من اتقى الشرك ولو مات على الكبيرة : بأن من آمن بالله ورسوله صح أن يقال : إنه متق عن الشرك . ومن صدق عليه المركّب صدق عليه المفرد ، ومن صدق عليه أنه متق عن الشرك صح أنه متق . ومن صدق عليه ذلك وجب أن يخرج من النار لعموم : ﴿ ثم ننجى الذين اتقوا ﴾ .
قلت : هذا بمعزل عن التحقيق؛ فإنه ليس من صدق عليه المركب صدق عليه المفرد . ألا ترى أن المداد مركب من زاج وعفص وعلك ولا يقال : إن المداد زاج وحده ، أو عفص ، أو علك ، وزيد قائم يصدق عليه أنهُ كلام ولا يصدق عليه بأنه كلمة إلا مجازا ، على ما فيه من البحث فى محله .
ويلزم على قول ذلك القائل أن من صلى صدق عليه انه صلى الصلوات كلها ولو كان صلى بعضا فقط لعلموم صلى .
ورووا عن أبى هريرة أن الناس قالوا : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟
قال : هل تُمارون فى القمر ليلة البدر ليس دون سحاب؟
قالوا : لا .
قال : هل تمارون فى الشمس ليس دونها سحاب؟
قالوا : لا .
قال : فإنكم ترونه . يحشر الناس يوم القيامة فيقال : من كان يعبد شيئا فليتبع فتابع الشمس ، وتابع القمر ، وتابع طالوت ، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، فيأتيهم الله فيقول : أنا ربكم .
فيقولون : هذا مكاننا حتى يأتينا .