76
الجزء ٨ · صفحة ١٦١﴿ وَيَزِيدُ اللهُ ﴾ بنزول الآيات .
﴿ الَّذِينَ اهْتَدَوْا ﴾ آمنوا وأيقنوا .
﴿ هُدىً ﴾ إيمانا ويقينا وهو مفعول ثان ليزيد . والحق أن العطف على قوله : ﴿ من كان فى الضلالة فليمدد له الرحمن مدا ﴾ كأنه قال : إنما يمد الكافر استدراجا لعذابه ، ويقصر حفظ المؤمن ويزيده إيمانا ، ليعوض له الخير العظيم .
وقال الزمخشرى : العطف على ليمدد له الرحمن؛ لأنه فى معنى إسقاط اللام . ورفع الفعل لأن الشرط ماض .
والعطف بالرفع دليل أن الجواب فى نية الرفع كذا يزيد . ويرتبط الكلام بتقدير ضمير ، كأنه قيل : ويزيد الذين اهتدجوا المابلين لهم ، أعنى الممدود لهم هدى .
﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾ الطاعات كلها قولا وفعلا واعتقادا ، سميت لأن فائدتها تبقى أبدا .
وقيل : المراد خصوص الصلوات الخمس .
« وقيل : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . قال رسول الله A لأبى الدراداء : خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن ، فهن الباقيات الصالحات ، وهن من كنوز الجنة » .
وقال A : « خذوا جُنَّتَكم .
قالوا : يا رسول الله أمِن عدوٍّ حضر؟
قال : من النار .
قالوا : ما هى يا رسول الله؟
قال : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر » وإذا ذكر أبو الدرداء هذا الحديث قال : لأهللن ، ولأكبرن الله ، ولأسبّحنه حتى إذا رآنى الجاهل ظننى مجنونا .
﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً ﴾ مما متع به الكفرة لفنائه ، وتعقب الحسرة له ، وما عند ربك باق .
﴿ وَخَيْرٌ مَرَدّاً ﴾ مرجعا وعاقبة ، أو منفعة ، كقولك : ليس لهذا الأمر مَرَدٌّ تعنى منفعة . وهل يرد بكائى زيدا ، يعنى هل ينفعه . وهاتان الخيريتان فى مقابلة قولهم : ﴿ أى الفريقين خير ﴾ أيضا .
وإن قلت : كيف قال : ﴿ من هو شر مكانا وأضعف جندا ﴾ كأن للمؤمنين أيضا نصيبا من الشر والضعف؟
قلت : هما اسما تفضيل خارجان عن التفضيل ، أو باقيان عليه ، لكن على أن المقابل ليس المؤمنين كأنه قال : سيعلمون مَن هو غاية فى الشر والضعف ، حتى فاق فيهما غيره على الإطلاق ، أو على المجاراة لقولهم؛ فإنهم يقولون : إن المؤمن فى ضعف وشر . فقال له : إنهم على ما هم من الشر والضعف الدنيويين أنتم شر وأضعف منهم ، باعتبار ما لكم فى الآخرة .
وإن قلت : فكيف قال : ﴿ خير عند ربك ثوابا ﴾ كأن للكافرين ثوابا ففضل عليه ثواب المؤمن؟
المعنى : إن ثواب المؤمن خير مما متع به الكافر ، أو أراد أن النار تراب الكافر كما يقول : ﴿ فبشرهم بعذاب ﴾ ولكن هذا نوع من التهكم ، وهو أغيظ للهدَّد . وليس المعنى أن المؤمن أبلغ فى ثوابه من الكافر فى عاقبه كما آل إليه كلام القاضى تبعا للزمخشرى . ولو صح هذا المعنى فى قولك : العسل أحلى من الخل والصيف أحرّ من الشتاء ، أى العسل أبلغ فى حلاوته من اخلل فى حموضته ، والصيف فى حره أبلغ من الشتاء فى برده ، إلا أن بيَّنَا هذا المعنى على معنى التهكم المذكور .