نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الملك

الجزء ١٩ · صفحة ١٠٧

(أَوَلَمْ يَرَوِا اِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَآفَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءِم بَصِيرٌ):

إنه التفنن البديع في أسلوب النصح والتذكير بالانتقال من التخويف والتحذير إلى لفت التأمّل والنظر في بديع صنع الله مما قد يكون مألوفا يسهو الناس عنه ولا يتدبرون ما فيه من عناية القدرة الإلاهية، ومثال ذلك حركات الطير في جوّ السماء كيف تمتطي متن الهواء فتبسط أجنحتها وتقبضها فتعلو وتنخفض وتغيّر اتجاهها كيفما تريد، وتختلف حركات التحليق من طير إلى آخر أحجاما وأشكالا في استعراض لا يمله النظر وينبهنا خالق الطير إلى استجلاء قدره في تدبير ذلك فقال: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ): وفي اختيار صفة: (الرَّحْمَنُ): لهوة الظاهرة العجيبة معنى الرعاية والحفظ، وذلك بما أودعه من القوانين والنواميس التي تنتظم الوجود كله وتضمن توازنه وتناسقه، وقد أقدر الله هذا الإنسان لضبط بعض تلك النواميس فامتطى بطائراته متن الهواء فقرب المسافات وطوى البعاد وقد امتن علينا بذلك في قوله تعالى: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) (النّحل:8). وجاء التذييل بقوله: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءِم بَصِيرٌ): تعليل لذلك الإمساك يدلّ على كمال تدبيره وتقديره للأشياء، فلا خلل ولا تقصير فالأرض وما عليها سابحة هي الأخرى في الفضاء الكوني في نظام متناسق مع الأجرام الأخرى، ما يمسكهن إلا الله، ونحن اليوم مع الكشوفات العلمية المختلفة في كل المجالات أكثر إدراكا لعظمة الخالق، وأشدّ إحساسا بإبداع صنعه إلا من أعياه الضلال والكفر.

٦٬٠١٩ / ٦٬٧٦٧