سورة الملك
الجزء ١٩ · صفحة ١٠٨(أَمَّنْ هَذَا الذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُور): عود إلى أسلوب الخطاب للكافرين وقد تمادوا في كفرهم وغرورهم إذ واجهوا تحذيرات الرسول بالاستخفاف والهزء، اغترارا بكثرة أنصارهم وقوة استعداداتهم، واعتمادا على ما تضمنه آلهتهم الباطلة من توفير الرزق كما يعتقدون، فبعد التخويف بالعذاب الذي يأتيهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم أضرب عن ذلك: "بأم" وانتقل إلى سؤالهم سؤال تعجيز الذي يؤول معناه إلى النفي فقال: من هو هذا الجند الذي يحميكم وينصركم من الله إن أراد بكم سوءا؟ طبعا لا أحد غير الله يستطيع ذلك، ولكن الغرور الخادع هو الذي يملى لهم أنهم في أمن واطمئنان بها ويتحداهم ببطشه ونقمته، ثم يعقّب على معتقدهم في الرّزق بضمان أصنامهم في توفيرها لهم ودافعهم في ذلك الطّغيان والنّفور من الاهتداء بدعوة رسول الله فردّ الله تعالى عليهم بقوله:
(أَمَّنْ هَذَا الذِي يَرْزُقُكُمُ إِنَ اَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ): فإذا كان السّعي إلى كسب الرزق مأمورا به شرعا –كما تقدم في الآية السّابقة- فإن تمكين الخلق من إيجاده وتوفيره معقود بإرادة الله وبقدرته وبديع صنعه في تسخير أسبابه الأولية والضرورية في أرض وفي سماء من ماء وهواء وتربة خصبة وبذور الحياة على اختلاف أنواعها وعلى أسرارها وألغازها، فمن غير الله قد وفّر تلك الأسباب، ومن بغير تدبيره يستطيع أن يضمن ذلك لسائر المخلوقات؟؟ … وهم يعلمون ذلك ويعترفون به إذا سئلوا، ولكنهم يتمادون في غيّهم وضلالهم عنادا واستكبارا.
ومن غريب أمرهم أن يرموا رسول الله ومن معه بالضلال وعدم الفهم ويعتقدون أن ما هم عليه هو الحق والصواب فجاء الرّدّ الإلاهيّ مشهدًا حيّا يصوّر اختلاف الحالين بين الفريقين فقال تعالى: