سورة الملك
الجزء ١٩ · صفحة ١١٣وقوله: (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ): إشارة إلى واقع أكثر الناس في عدم تقديرهم لتلك النعم، فهم لا يوفون حقها من الشّكر باستعمالها في الصّلاح والتّقوى وفي طاعة الله الواهب المنعم، فينهض بأمانة التكليف كما أمره الله، ثم بيّن الغاية من ذلك الخلق وأنها للابتلاء في الحياة الدنيا ثم يعقبه الجزاء ليوم الحساب فقال تعالى: (قُلْ هُوَ الذِي ذَرَأَكُمْ فِي الاَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): وبنفس الصّيغة ذكر الله الذرأ، وهو يحمل معنى الإكثار والإنتشار، وهي منة أخرى قليلا ما يتنبه لها الخلق وهم معرّضون لكثير من الجوائح والأمراض، فلول ذلك التكاثر والنموّ لتعرض النسل البشريّ إلى الزوال وهم لم يخلقوا للإهمال والضّياع بل هو الإبتلاء في الحياة الدنيا والجمع والحشر والرجوع إلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء، ولكن لمنكرين لذلك الحشر يسألون في تنطع واستهزاء.
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* قُلِ اِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ): من حكمته تعالى أنه استأثر بعلم الساعة لأنه حدث يتخطى حدود المادة والزمان والمكان، والناس منذ وجودهم على ظهر الأرض يرددون مثل ذلك السّؤال على رسلهم ما بين مرتاب به شاك وما بين مؤمن بحدوثه ولكنه يستعجل قلق لأنه لا يتقين بنهايته كيف تكون ولو شاء الله لكشف الغطاء عن جانب من العالم الغيبي فلا يبقى في الناس شاك ولا متردد ولكن أمر التكليف يعقد معناه وحقيقته، ومن ثمّ فإن من تمام حكمة الله أن يستأثر وحده بعلم ذلك اليوم فلا رسول ولا ملك بقادر على تكهن وقوعه والرسول تنحصر مهمته في الإنذار منه وبيان السلك القويم في تجنب أهواله تلك الأهوال التي يستحضرها القرآن حتى لكأن هذا اليوم الذي يسألون عنه قد جاء بالفعل وكان المنكرون له يواجهونه الآن.