سورة القلم
الجزء ١٩ · صفحة ١٢٢(فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ* وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ): يتعرض الدّاعية إلى ألوان من الضغوط وتواجهه كثير من العقبات والمثبطات، فإن ذلك من شأن المجتمع البشريّ وقد واجه رسول الله في أول دعوته من المكذبين له تلك الأساليب من الضغوط والمساومات فأرادوه أن يداهنهم في بعض ما يدعوهم إليه مقابل أن يعاملوه بالمثل لأن المداهنة هي المصانعة والملايشة وبما أن المشركين مهزوزو العقيدة لا يتمسكون فيها إلا بالمظاهر الجوفاء، فإنهم على استعداد إلى التخلّي عن الكثير عنها، إما أصحاب العقيدة الصّحيحة الثابثة فلا يلينون ولا يداهنون أبدا في أيّ مبدإ من مبادئها بأي ثمن، ولذلك جاء النّهي عن طاعته المكذبين الذين أضفى الله أوصافا هي في غاية القبح والشناعة فقال:
(وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ* هَمَّازٍ مَّشَّآءِم بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ اَثِيمٍ* عُتُلِّم بَعْدَ ذَالِكَ زَنِيمٍ):
إنها صفات تسع كلها تنضج باللؤم والخبث، وليس لازما أن تجتمع كلها في شخص واحد، بل تكفي الواحدة منها ذمّا لمن اتصف بها، والفائدة من تعداد تلك الأوصاف للمبالغة في التحذير من الوقوع في شراك المكذبين من باب قولهم: "يعرف السمّ ليتقى".
قال تعالى: (وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ): (حَلاَّفٍ): كثير الحلف وعادة لا يفعل ذلك إلا الذي لا يشق من كلامه وهو يدرك أن الناس لا يصرفونه ولذلك فهو يوثق أكاديب بكثرة الحلف.
(مَّهِينٍ): حقير في ذات نفسه سواء في فكرة أو تدبيره وقد يتظاهر بخلاف ذلك فيتعاظم، ولكن سرعان ما تنكشف للناس حقيقته.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم.
(هَمَّازٍ): أي يعيب الناس ويذكر معايبهم والهمز يكون باليد أو بغير ذلك من وسائل الطعن.