سورة نوج
الجزء ١٩ · صفحة ١٧٨(قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا* فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيَ إِلاَّ فِرَارًا* وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا* ثُمَّ إِنِّيَ أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ إِسْرَارًا):
هكذا يقيم نوح جهاده الطّويل ويعرضه على ربّه وهو يصوّر كراهية قومه لدعوته التي لم تنقطع في ليل أو نهار، ولم تفتر عزيمته في اتخاذ كل وسائل التبليغ، ولم ييأس أمام الصدود والإعراض حتى كانوا يفرّون عن سماع دعوته، وكلما اقترب منهم جعلوا أصابعهم في آذانهم وغطوا رؤوسهم حتى لا يسمعوا دعوته ولا يروا شبحه، وهو في دعوته لا يطلب منهم أجرا ولا يرجو منفعة، فهم يصرون على الضّلال ويستكبرون عن سماع الحق مهما تفن معهم في أساليب دعوته فتارة بالجهر وتارة بالإسرار مراعاة لمقتضى أحوالهم المختلفة عساهم ينصاعون ويتأثرون، ولم تكن دعوة نوح جافة عارية عن أساليب الإغراء والتشويق بل نجده يمزح بين النّصح والإرشاد وبعدهم بمغفرة ربهم و إنعامهم بخيرات من السّماء والأرض.
(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمُ أَنْهَارًا): وعلى ما جاء في آيات أخرى من أن الإستغفار من الذّنوب والتّوبة إلى الله منها ينجرّ عنهما البركة والنّماء في الرّزق، بينما يكون المشؤوم والقحط والآلام بكثرة المعاصي، فعلى ذلك النّسق ربط نوح عليه السلام بين استغفار قومه من ذنوبهم بنية وإخلاص وبين توفير الأرزاق لهم من السّماء والأرض كما جاء ذلك عامّا لجميع الأمم في قوله تعالى: