نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الجنّ

الجزء ١٩ · صفحة ١٩١

وقد ألهمهم الله فانكشف لهم من صدق القرآن وإعجازه ما جعلهم يقرّون بدلالته على الحق والرشد فعرفوا الله وعظموا صفاته كما تيقنوا بصدق رسول الله وحقيّة القرآن وبالتّالي شرفهم الله بالإيمان وعاهدوا الله أن لا يشركوا به شيئا في ما يستقبل من حياتهم وأكدوا ذلك "بلن" التّأبيدية وفي هذا الإخبار تعريض بلن توبيخ لمشركي مكة إذ آمن الجن بصدق القرآن لسماع واحد بينما هم لم ينتفعوا به ولم يؤمنوا بسماعه عدة مرات.

(وَإِنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا): معطوف على قول الجن: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا): وقوله: (إِنَّهُ): ضمير الشّأن خبره جملة: (تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا): مزيد تعظيم لجلال الله وقدرته، وحاشاه أن يتخذ زوجة أو ولدا، والتّأكيد على نفي ذلك عن الله تعالى هو للإعلان عن صدق إيمانهم وينبذ ما كان شائعا في عالم الجن من معتقدات فاسدة يوصى بها الشّياطين إلى المشركين من أن الملائكة بنات الله من سروات الجن، كما تقدم في تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ للهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَّقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِم بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَصِفُونَ) (الأنعام: 100). وذلك ما أنكره المؤمنون من الجن إذ وصفوا من كان يعتقد ذلك منهم بالسّفاهة والضلال فقالوا:

(وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا* وَإِنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ الاِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا): والشّطط هو مجاوزة الحدّ والخروج عن الصّواب، فالجن قبل إسلامهم كانوا بعيدين عن الصّواب في نسبة الصّاحبة والولد لله تعالى وذلك مجاراة لرفاقهم إذ كانوا يظنون أن الإنس والجن لا يكذبون على الله حين نسبوا إليه الصّاحبة والولد، وهم يأسفون لذلك ويقدمون عذرهم لما سلف منهم من الإشراك بالله بسبب التّقليد الأعمى، وقد حمدوا الله أن هداهم للإيمان.

٦٬١٠٣ / ٦٬٧٦٧