سورة الجنّ
الجزء ١٩ · صفحة ٢٠٦لم تجد محاولة المشركين مع رسول الله للتخفيف من لهجة دعوته كما اقترحوا عليه، وقد ازدادوا إصرارا وعنادا فكان من المناسب أن يجيء هذا التعقيب بتهديدهم بنار جهنم حيث لا ينفعهم النّصراء ولا كثرة الإتباع والإتيان بصيغة المضارع المقرونة بسين التنفيس للدلالة على قرب ذلك عندما تتقلب الموازين في الدنيا والآخرة فيصبح الرّسول والمؤمنون معه قوة ضاربة فيعلم الذين كفروا أي الفريقين الضعيف المخذول.
ولما كان ذلك مما يكشف عنه الغيب فقد أمر الله رسوله أن يتجرّد من أمر الغيب.
(قُلِ اِنَ اَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيَ أَمَدًا* عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا* اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا): على كثرة سؤال المشركين عن موعد السّاعة على وجه التّحدّي والتّعجيز لرسول الله يأتي أمره له بأن يقول لهم: لست أعلم ذلك الموعد أقريب هو أم بعيد إذ هو من الغيب المطلق الذي استأثر الله به، وليس للرسول من أمر ذلك شيء إلا أن يبلغ ما كلفه الله به، وقد استثنى الله حالة واحدة في ما يأذن به أن يطلع عليه رسله من تلك المغيبات ليستدلوا بها على نبوءتهم في تبليغ دعوتهم إلى النّاس فيكشف الله لهم ما يشاء منها عن طريق الوحي فيحيطهم الله بهالة من حراس ملائكة يحفظونهم من الشّياطين ويشدّون أزرهم في تحمّل أمانة الرّسالة الثّقيلة فلا ينتابهم الضّعف البشري من العجز والسّهو والنّسيان، فهي رقابة شديدة محكمة الرّصد، وبذلك ينتهي أمر الكهانة والسّحر والتّنجيم ويتحرر العقل البشريّ من تلك الأوهام والخرافات، ويبقى وحي الله النّور الهادّي في ظلمات الحيرة والضّلال، ويذكر الله في ختام السّورة حكمة تلك الرّقابة المشدّدة على وحيه فيقول: