سورة المزمّل
الجزء ١٩ · صفحة ٢١٠يروي في سبب النّزول عدة روايات منها: حادثة بدء الوحي في غار حراء عندما جاءه جبريل فرجع النبيء إلى بيته مرتعدا وءاوى إلى فراشه وهو يقول: زمّلوني، زمّلوني، فبينما هو كذلك إذ جاءه جبريل وقال له: (يَآ أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (1). وعلى إثرها نزل: (يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ): ومنها ما قيل إن قريشا اجتمعت في دار النّدوة تدبّر كيدها للنبيء صلى الله عليه وسلم لصدّ النّاس عن دعوته، فبلغ ذلك لرسول الله فاغتمّ له وتزمّل في ثيابه ونام مهموما فجاءه الملك جبريل وقال: (يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ): ومهما يكن السّبب في نزول هذا النّداء العلويّ على رسول الله فقد رعاه تمام الوعي وعلم أن هناك تكليفا ثقيلا وجهادا طويلا ينتظره.
قال تعالى: (يَآ أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ): إنه النّداء العلويّ جاء بهذه الصّفة لرسول الله لينشط من عقال ويقوم للجهد والكّدّ في حمل الأعباء الثّقال فهو نداء تلطف وارتفاق ونداء تحفيز وتشجيع، فلانه وقت راحة ونوم، بل هو تجافي الفراض للقيام بعبادة الله والنّاس نيام.
إنه الإعداد الرّوحيّ للمهمة الكبرى، مهمة الدعوة إلى الله، وقد جعل الله نصف اللّيل هو معدّل الوقت لتلك العبادة بزيادة أو نقصان قليلين على أن لا يتجاوز الوقت كله مقدار الثلثين، ولم يكن أصحاب رسول الله بمعدّل عن وعي ذلك النّداء إذ علموا واجب الاقتداء بالرّسول فكانوا يقومون اللّيل حتى تورمت أقدامهم لمدة سنة ثم أنزل الله التّخفيف في آخر السّورة فأصّبح قيام اللّيل تطوّعا.